وروى البيهقي في"الشعب"عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} [سورة لقمان: 6] قال: يعني: باطل الحديث.
وهو النضر بن الحارث بن علقمة اشترى أحاديث العجم، وصنعهم في دهرهم، وكان يكتب الكتب من الحيرة والشام، ويعرض عن القرآن، فلم يؤمن به؛ أي: فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [سورة لقمان: 6] ؛ أي: ليثبت على ضلاله على قراءة أبي عمرو وابن كثير بفتح أوله.
وقرأ الباقون بضم أوله؛ أي: ليضل غيره عن سبيل الله؛ أي: عن طريق الله الذي سنَّه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وفيه إشارة إلى أن كتابة مثل ذلك، ونقله، وإملاءه على الناس فيه تحريك النفوس لاتباع بعض ذلك والعمل به؛ فإن النفوس أخوات يستحسن بعضها أوضاع بعض، فربما استجرَّ ذلك المرء إلى استحسان
ما يخالف كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - من أحوال من سبق.
وروى أبو يعلى عن عامر بن عرفطة قال: كنت جالسًا عند عمر رضي الله تعالى عنه إذ أُتيَ برجل من عبد القيس، فقال له عمر: أنت فلان العبدي؟
قال: نعم.
فضربه بقناة معه، فقال الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؟
قال: اجلس.
فجلس، فقرأ عليه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} إلى قوله: {لَمِنَ الْغَافِلِينَ} [سورة يوسف: 1 - 3] ، فقرأها عليه ثلاثًا، فضربه ثلاثًا.
فقال الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؟
فقال: أنت الذي نسخت كتاب دانيال.
قال: مرني بأمرك أتبعه.
قال: انطلقْ فامحُه بالحميم، وانصرف ثمَّ لا تقرأه، ولا تُقرئه أحدًا من الناس، فلئن بلغني عنك أنك أقرأته أحدًا من الناس لأنهكنك عقوبة.
ثمَّ قال: اجلس، فجلس بين يديه، فقال: انطلقت أنا فانتسخت كتابًا من أهل الكتاب، ثمَّ جئت به في أديم، فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مَا هَذَا في يَدِكَ يَا عُمَرُ؟".
قلت: يا رسول الله! كتاب نسخته لنزداد به علمًا إلى علمنا.