وقال النخعيّ: لا يُركبُ إلى الجمعةِ.
المسألةُ الثانيةُ: أنه يستحمبّ المشيُ بالسكينةِ مع مقاربةِ الخُطَا ، كما في سائرِ
الصلواتِ ، على ما سبق ذكرُه في موضعه.
فأما قولُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) ، فقد حملَه قومٌ من المتقدمين على ظاهره ، وأنكرَ ذلك عليهم
الصحابةُ.
فروى البيهقيُّ من حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ الصامتِ ، قال: خرجتُ إلى
المسجدِ يومَ الجمعةِ ، فلقيتُ أبا ذرٍّ ، فبينا أنا أمشي إذ سمعتُ النداءَ ، فرفعتُ
في المشي ؛ لقولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) ، فجذبني جذبةً كدت أن ألاقيَه ، ثم قال: أو لسْنَا في سعي ؟
فقد أنكرَ أبو ذرٍّ مَن فسر السعي بشدةِ الجري والعدْوِ ، وبينَ أنَّ المشيَ إليها
سعيٌ ؛ لأنه عمل ، والعملُ يُسمَّى سعيًا ، كما قالَ تعالى: (إِنَّ سَعْيكُمْ لَشَتَّى)
وقال: (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا) ، ومثلُ هذا كثيرٌ
في القرآن.
وبهذا فسَّرَ السعيَ في هذه الآية التابعونَ فمن بعدَهم ، منهم: عطاءٌ.
ومجاهدٌ ، وعكرمةُ ، وقتادةُ ، ومحمدُ بنُ كعبٍ ، وزيدُ بنُ أسلمَ ، ومالكٌ.
والثوريُّ ، والشافعي وغيرُهم.
وروي عن ابنِ عباسٍ - أيضًا - من وجهٍ منقطع.
ومنهم مَن فسَّر السعيَ بالجري والمسابقةِ ، لكنه حملَه على سعي القلوبِ
والمقاصدِ والنياتِ دون الأقدامِ ، هذا قولُ الحسنِ.
وجمع قتادةُ بين القولينِ - في رواية - ، فقال: السعيُ بالقلبِ والعملِ.
وكان عثمانُ وابنُ مسعود وجماعةٌ من الصحابة يقرءونَها:"فامضُوا إلى"
ذكرِ اللَّهِ"."
وقال النخعيُّ: لو قرأتُها (فَاسْعَوْا) لسعيتُ حتى يسقط ردائي.
ورُويَ هذا الكلامُ عن ابنِ مسعودٍ من وجهٍ منقطع.