المسألةُ الثالثةُ: في تحريمِ البيع وغيرِه مما يشتغلُ به عن السعي بعدَ النداءِ.
وقد حُكي عن ابنِ عباسٍ تحريم البيع وغيرِه.
وروى القاضِي إسماعيلُ في كتابه"أحكام القرآنِ"من رواية سليمانَ بنِ
معاذٍ ، عن سماكٍ ، عن عكرمةَ ، عن ابنِ عباسٍ ، قالَ: لا يصلحُ البيعُ يومَ
الجمعةِ حين ينادَى بالصلاةِ ، فإذا قُضِيتِ الصلاةُ فاشترِ وبِعْ.
وبإسنادِهِ: عن ميمونِ بنِ مِهرانَ ، قالَ: كانَ بالمدينةِ إذا نوديَ بالصلاةِ من
يومِ الجمعةِ نادَوْا: حرُمَ البيعُ ، حرُمَ البيعُ.
وعن أيوبَ ، قالَ: لأهلِ المدينةِ ساعة ، وذلك عندَ خروج الإمامِ.
يقولون: حرُم البيعُ ، حرُم البيعُ.
وعن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ ، أنه كانَ يمنعُ الناسَ منَ البيع يومَ الجمعةِ إذا
نودِي بالصلاةِ.
وعن الحسنِ وعطاء والضحاكِ: تحريمُ البيع إذا زالتِ الشمسُ من يومِ
الجمعةِ.
وعن الشعبيِّ ، أنه محرَّمٌ ، وكذا قالَ مكحولٌ.
وحكى إسحاقُ بنُ راهويه الإجماعَ على تحريمِ البيع بعدَ النداءِ.
وحكى القاضي إسماعيلُ ، عمَن لم يسمِّه ، أن البيعَ مكرُوهٌ ، وأنه استدل
بقوله: (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لكُمْ) .
وردَّ عليه: بأن مَنْ فعل ما وجَب عليه وتركَ ما نُهِي عنه فهو خيرٌ له ، كما
قال تعالى: (وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ) .
وحُكي القولُ بأن البيعَ مردودٌ عن القاسم بنِ محمدٍ وربيعةَ ومالكٍ.
ورواه ابنُ عيينةَ ، عن عبدِ الكريمِ ، عن مجاهدٍ أو غيرِه.
وهو مذهبُ الليثِ والثوريِّ وإسحاقَ وأحمدَ وغيرِهم من فقهاءِ أهلِ
الحديثِ.
وخالف فيه أبو حنيفةَ والشافعيُّ وأصحابُهما وعبيدُ اللَّه العنبريُّ ، وقالوا:
البيعُ غيرُ مردودٍ ؛ لأن النهي عن البيع هنا ليس نهيًا عنه لذاتهِ بل لوقتهِ.
والأولون يقولون: النهي يقتضي فسادَ المنهيِّ عنه ، سواءٌ كان لذاتِ المنهيِّ