وقد تضمَّنَ من العلومِ والحكم ، والمواعظِ ، والقصصِ ، والترغيبِ والترهيبِ ، وذكرِ أخبارِ منْ سبقَ ، وأخبارِ ما يأتي مِن البعثِ والنُّشور والجنَّةِ والنَّارِ ، ما لم يشتمِلْ عليه كتابٌ غيرُهُ ، حتَّى قالَ بعضُ العلماءِ: لو أنَّ هذا الكتابَ وُجِدَ مكتوبًا في
مُصحَفٍ في فلاةٍ من الأرضِ ، ولم يُعلمْ منْ وضعهُ هناك ، لشهدتِ العُقولُ
السَّليمةُ أنَّه منزلٌ مِن عندِ اللَهِ ، وأنَّ البشرَ لا قدرةَ لهم على تأليفِ ذلك.
فكيف إذا جاءَ على يديْ أصدقِ الخلقِ وأبرِّهم وأتقاهُم ، وقال إنَّه كلامُ
اللَّهِ ، وتحدَّى الخلقَ كلَّهم أن يأتوا بسُورةِ من مثلِهِ ، فعجزُوا.
فكيف يبقى مع هذا شكٌّ فيه ؛ ولهذا قال تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ) .
وقال تعالى: (أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَئا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) .
فلو لم يكنْ لمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - منَ المعجزاتِ الدالةِ على صدقهِ غيرُ هذا الكتابِ لكفاهُ ، فكيفَ ولهُ من المعجزاتِ الأرضيةِ والسماويةِ ما لا يُحصَى.
وقوله: (يُزَكيهِمْ) : يعني أنَّه يُزكِّي قلوبَهم ويطهرُها من أدناسِ الشركِ
والفُجورِ والضلالِ ؛ فإنَّ النفوسَ تزكو إذا طهرتْ من ذلك كلِّه ، ومن زكتْ
نفسُه فقد أفلحَ ، كما قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَاهَا) .
وقال: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكى) .
وقوله: (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) .
يعني بالكتابِ القرآنَ ، والمرادُ: ويعلّمُهم تلاوةَ ألفاظِهِ.
ويعني بالحكمةِ فهمَ معاني القرآنِ والعملَ بما فيه.
فالحكمةُ هي فهمُ القرآنِ والعملُ به ، فلا يُكْتَفى بتلاوةِ ألفاظِ الكتابِ حتَّى
يُعلمَ معناهُ ويُعملَ بمقتضاهُ ، فمن جُمعَ له ذلك كلُّه فقد أُوتِيَ الحكمةَ.
قال تعالى: (يُؤْتِي الْحِكمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يؤْتَ الْحِكمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كثِيرًا) .