والمعنى: يا أَيها الذين شرُفوا بالإِيمان ورفعوا مكانتهم به، وعَزُّوا بأَعماله الصالحة، وسلوكه الطيّب: لا تركنوا إِلي هؤلاءِ الراكسين في الكفر المنغمسين في الرذائل وقبح السلوك أَعدائي وأَعدائكم ولا تطمئنوا إِليهم، وتصافوهم فتتخذوهم أَولياءَ وأَصحابا تصلون إِليهم بالمحبة وتتقربون منهم وتلقون إِليهم أَسرار النبي وأَخبار المؤمنين، وهم قد كفروا بدينكم، وعارضوا دعوة رسولكم وأَنكروا ما نزل عليه من أَخبار الوحي وآيات القرآن، وجاوزوا ذلك إلي الكيد لكم وإيذائكم والإِصرار على إِخراج الرسول وإِخراجكم من وطنكم وإِجلائكم عن بلدكم؛ لأَنكم آمنتم بربكم، واتبعوا هدي نبيكم وتركتم ضلالهم وجهلهم، وقوله تعالى: (إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي) مرتب على قوله - تعالى: (لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء) .
والمعنى: إِن كان خروجكم عن صدق إِيمان ورسوخ عقيدة ورغبة في دين الله وابتغاءِ مرضاته فلا تتخذوا أَعدائي وأَعداءَكم أولياءَ تفضون إِليهم بالمحبة، وتهمسون لهم بأَسراركم وأَخبار تظنون أَنها خافية وقد علمتم أَن الإِخفاء والإِعلان سيَّان في علمي، وأَنا مطلع على ما أَخفيتم وأَظهرتم، ومن يفعل هذا الفعل من موالاة المشركين، وإِلقاءِ الأَسرار إِليهم فقد أَخطأَ طريق الحق والصواب، وفي الآية إِشارات منها:
1 -تقديم الرسول على المؤمنين في الإِخراج للإِشارة إِلي أَن في إِخراج الرسول قضاء على الإِسلام.
2 -من كان عدوًّا للرسول فهو عدوٌّ لجماعة المسلمين.
3 -تقديم الإِخفاء على الإِعلان في العلم مشعر بإِحاطة علم الله وكمال قدرته.
4 -أَن صدق الإِيمان يتنافى مع قبح العمل، والمعصية لا تقدح في أَصل الإِيمان.
2 - {إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2) } :
تمضي الآيات في التحذير من موالاة المشركين والتودد إِليهم فتكشف خبث طويتهم ودخلية كيدهم وعداوتهم.