فهذه قلوب هيمن عليها الإيمان وجمعها رب العالمين على مائدته، وأقامها على قلب أتقى قلب رجل واحد، إنها منة إلهية، وتدبير رباني لا تستطيع الحصول عليه قوى الأرض مهما بذلت في سبيل من جهد ومن مال، بل لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما استطاعت أن تحصل على هذه الذي يسره لرسوله، وجعله من أسباب نصرته ونصرة دينه، حتى لقد كان هؤلاء الأحبة مثلًا حيًّا لحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منهم عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) )، ولمسلم: (( المسلمون كرجل واحد إذا اشتكى عينه اشتكى كله، وإذا اشتكى رأسه اشتكى كله ) )إنها صورة حية نابضة بالإيمان تُرشدنا إلى كثير من حقوق أخوة الإيمان، ولذلك قال تعالى: {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (الأنفال: 62، 63) .
ومما يجمع هذا الحقوق وصف الله لأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث يقول ربنا: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} (الفتح: 29) فهم قوة تُرهب أعداء الله تراهم في ساحات القتال جيوشًا تصول وتجول يخشى بأسهم أهل الكفر والضلال، ولكنك تراهم فيما بينهم يفيضون رقة وأدبًا وخلقًا
وتواضعًا، وودًّا وتراحمًا، والعجب فإن من صفات المؤمن أنه أليف مألوف قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( أقربهم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، المطَّئون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون ) )، فإحساس المؤمن بإخوانه، وشعوره بحاجتهم، وحرصه على ما ينفعهم أسس في العلاقات بين إخوة الإيمان.