أحدهما: أن فيه استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، أعني لفظ التبوء.
الثاني: أنه حصل ملازمتهم للإيمان كملازمة المكان لهم، فلو أراد المكان المطلق لحسن التشبيه هنا، إنما وقع التشبيه على مكان معين، فلا يحسن التشبيه، لأنه لا يلازمهم عقلا، إذ لو أريد التبوء في مطلق مكان، لقلنا: إنه يلزمه الإيمان عقلا، وقيل: هو من عطف الصفات أي تبوء الدار، ودار الإيمان لأنها دار واحدة، وصفها أولا بكونها الدار المعهودة، وثانيا: بأنها دار الإيمان.
قوله تعالى: (مِنْ قَبْلِهِمْ) .
قال الزمخشري: من قبل المهاجرين، واستشعر أن يورد عليه أن إيمان المهاجرين سابق، فأجاب: بأن المجموع، وهو التبوء، والإيمان سابق على إيمان المهاجرين وتبوؤهم، فالمجموع سابق على المجموع، وهو نحو ما أجاب به ابن التلمساني عن قول القاضي عبد الوهاب في تعريفه للقياس: هو حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما، فأورد عليه لزوم كون حكم الأصل مثبتا بالقياس، فيرد بأن المراد ثبوت المجموع، ويرد على هذا الجواب هنا أن المجموع المركب إنما يتم بآخر جزء منه، فما حصل لهم وصفا ليس بأول التبوء بل بآخره، وهو بعد إيمان من آمن، وذلك متأخر عن إيمان المهاجرين، وجوابه: أن على كل تقدير متقدم على
هجرة المهاجرين وإيمانهم، وأجاب الزمخشري والفخر بجواب آخر: وهو أن الضمير عائد على المهاجرين باعتبار وصفهم أي من هجرتهم.
قوله تعالى: {الَّذِينَ سَبَقُونَا ... (10) }
فيه دليل من آية السبقية، كما قال الفقهاء في الإمامة: أنه يقدم الأقدم سناً في الإسلام، فإن كان الأكبر أحدث إسلاما قدم الأصغر.
قوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا) .
لما كان من طبع الإنسان الغل والحسد، وكان أولئك حازوا مزية السبقية، والمهاجرين مظنة أن يحسدوهم في ذلك، فتحرزوا من ذلك بعد الدعاء، والغل: هو تألم النفس على عدم المشاركة فيما اختص به ذو رئاسة وسوية، والغبطة: تألم النفس على ذلك، مع عدم تمني زوال ذلك عن المختص به، والحسد: تألمها على ذلك، مع تمني زوال ذلك عن المختص، والحقد: هو طلب [[الفرصة في المكروهات للمحقود] .