الزمخشري: لَا يصح أن يكون بدلا من مجموع قوله (فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى) انتهى، لأنه يستحيل صدق صفة الفقر عليه عز وجل، ولا يوصف بها النبي صلى الله عليه وسلم إعظاما له، ولأن في آخر الآية (وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) ، فإِن قلت: لم قدم صفة الفقر على الهجرة، مع أنهم إنما اتصفوا بالفقر بعد الهجرة، وأما قبلها فكانوا أغنياء، فالهجرة سبب في الفقر، فهلا قدمت؟ فالجواب: أن استحقاقهم الأخذ من الغنيمة إنما هو بوصف الفقر لَا بالهجرة، أو بمجموع الأمرين، ووصف الفقر أولى بههم، ولا يقال: إن وصف الفقر يشاركهم فيه الأنصار، وأنهم إنما اختصوا عن الأنصار بالهجرة، لأن المفسرين ذكروا أن الأنصار كلهم كانوا أغنياء إلا ما قلَّ منهم، وقد أعطاهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الغنيمة لفقرهم، وعبر في المهاجرين بالاسم وفي الذين أخرجوا بالفعل، لدوام الهجرة وانقطاع الإخراج، ووصفهم بنصرة الله ورسوله احتراسا، خشية أن يتوهم أن ذلك خاص بالأنصار.
قوله تعالى: (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) .
ذكرهما تعظيما لهما، والعطف ترق؛ لأن الرضوان صفة معنى، والفضل صفة فعل.
قوله تعالى: (وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) .
المقصود بالإسناد هنا المعطوف، فهو من باب أعجبتني الجارية حسنها، لأن الله تعالى غني عن نصرتهم، وصرح باسم الجلالة تشريفا للطاعة، وصرح باسم الجلالة تهييجا عليها.
قوله تعالى: (أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) .
ابن عطية: في أقوالهم وأفعالهم، انتهى، هذا موافق لقول ابن التلمساني: أن الصدق هو مطلق المطابقة، لأنه مطابقة الخبر للمخبر عنه، ووقع التأكيد في هذه الجملة بأمور: الحصر، وكون الموضوع اسم إشارة، والفصل بالضمير، وكون الخبر اسما وعلى الثبوت.
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ ... (9) }
فسره الزمخشري بثلاثة أوجه:
إما أن المراد تبوءوا الدار وأخلصوا الإيمان، وجعلوا الإيمان مستقراً ومتوطنا لهم لتمكنهم منه واستقامتهم عليه، كما جعلوا المدينة كذلك، فيكون التبوء على هذا مجازا، فهو في الدار على أصله، وفي الإيمان معنوي، فيضعف هذا من وجهين: