ولم يكن أمرهم ليخفى على المحدِّثين الذين تصدوا لهذه الظاهرة، وكشفوا حقيقة هذه الأخبار وبينوا زيفها وكذبها، ووزنوا الروايات بميزان دقيق، وطبقوا عليها منهجهم الفريد في النقد وسبر المرويات، شأنها شأن غيرها من الأخبار المختلقة الموضوعة، كما يظهر ذلك من خلال ما كتبوه في علوم الحديث، وتراجم الرجال، والأحاديث الموضوعة، والمشتهرة على الألسنة، إلى غير ذلك، ومع ذلك اتخذت هذه الإسرائيليات - مع الأسف الشديد - مدخلًا للطعن في أئمة الإسلام وعلمائه ممن كان لهم في الإسلام قدم راسخة، حتى كادت تذهب بالثقة في بعض الصحابة والتابعين، الذي عرفوا بالثقة والديانة، واشتهروا بين المسلمين بالتفسير والحديث، وذلك بسبب ما أسند إليهم من هذه الإسرائيليات، حيث اتهموا بأبشع الاتهامات من قبل بعض المستشرقين ومن مشى في ركابهم، وعدُّوهم مضللين مدسوسين على الإسلام وأهله.
الوجه الثاني: بيان المراد بالإسرائيليات ومدى الصلة بينها وبين القرآن والسنة، وأقسامها.
الإسرائيليات جمع مفرده إسرائيلية، وهي قصة أو حادثة تُروى عن مصدر إسرائيلي والنسبة فيها إلى إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم أبو الأسباط الإثنى عشر، وإليه يُنسب اليهود.
وهي: الأخبار المنقولة عن بني إسرائيل من اليهود وهو الأكثر، أو من النصارى.
ولفظ الإسرائيليات وإن كان يدل بظاهره على اللون اليهودى للتفسير، وما كان للثقافة اليهودية من أثر ظاهر فيه، إلا أنَّا نريد به ما هو أوسع من ذلك وأشمل، فنريد به ما يعم اللون اليهودي واللون النصراني للتفسير، وما تأثر به التفسير من الثقافتين اليهودية والنصرانية. فهو في الاصطلاح يدل على كل ما تطرق إلى التفسير والحديث من أساطير قديمة منسوبة في أصل روايتها إلى مصدر يهودي أو نصراني أو غيرهما، بل توسع بعض المفسرين والمحدثين فعدوا من الإسرائيليات ما دسه أعداء الإسلام من اليهود وغيرهم على التفسير والحديث من أخبار لا أصل لها في مصدر قديم، وإنما هي أخبار من صنع أعداء الإسلام صنعوها بخبث نية وسوء طوية، ثم دسوها على التفسير والحديث ليفسدوا بها عقائد المسلمين.