فالخلاصة أن المراد بلفظ"الغروب"، في الحديث الذهاب والسير والجريان، كما هو مفسر في الرواية الأخرى وكما هو مستعمل في لغة العرب وكما جاء في قوله تعالى {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} ، فالغروب في حقيقته ليس إلا جريان الشمس، وليس للشمس مغرب حقيقي ثابت، قال الإمام ابن عاشور - رحمه الله: والمراد بـ {مَغْرِبَ الشَّمْسِ} مكان مغرب الشمس من حيث يلوح الغروب من جهات المعمور من طريق غزوته أو مملكته، وذلك حيث يلوح أنه لا أرض وراءه بحيث يبدو الأفق من جهة مستبحرة، إذ ليس للشمس مغرب حقيقي إلا فيما يلوح للتخيل.
وقد بين ذلك - صلى الله عليه وسلم - فقال:"فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش"كما عند. ولم يقل - صلى الله عليه وسلم - أنها"تغرب تحت العرش"أو يقل"حتى تغرب تحت العرش"، وهذا وهم توهمه بعض الناس الذين أُشكل عليهم معنى هذا الحديث، وهو مردود لأن ألفاظ الحديث ترده. فقوله:"تذهب"دلالة على الجريان؛ لا دلالة على مكان الغروب؛ لأن الشمس لا تغرب في موقع حسي معين؛ وإنما تغرب في جهة معينة، وهي ما اصطلح عليه الناس باسم الغرب. والغروب في اللغة: التواري والذهاب كما ذكره ابن منظور وغيره، يقال غرب الشيء أي توارى وذهب، وتقول العرب أغرب فلان أي أبعد وذهب بعيدًا عن المقصود. إذا تقرر هذا أتضح معنى آخر وهو: أن الشمس لا تسجد تحت العرش عند كل غروب تغربه عن أنظار كل بلد؛ فإن هذا هو اللبس الذي ينشأ عند من فهم أن الشمس تسجد عند كل غروب يراه أهل كل قطر، ولو كان الأمر كذلك لكانت ساجدة على الدوام ولا استنكر أهل الأرض ذلك، ولذلك جاءت فائدة الاحتراز من هذا الاحتمال في رواية مسلم"ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئًا" (1) .
الوجه السادس: معنى السجود.
فقولهم قد سَجَدَ الرجلُ معناه: قد انحنى وتطامن ومال إلى الأرض من قول العرب قد سجدت الدابة وأسجدت إذا خفضت رأسها لتركب قال الشاعر:
وكِلتاهُما خَرَّتْ وأَسْجَدَ رأسُها ... كما سَجَدَتْ نصرانَه تحَنَّفِ