وفائدة لفظة الذهاب أنها تتضمن معنى الحركة، فما من ذاهب إلا وهو متحرك، صحيح أن الشمس"تغرب"عن نظر قوم ولكن هذا بالنسبة إليهم ولذلك يجب التفريق بين حقيقة"الغروب"ومجرد"رأي العين"، كما في قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} وهذا صحيح برأي البصر ولذلك نسب المرئي إلى من يراه فقال {وَجَدَهَا} .
قال الإمام القرطبي: قال القفال: قال بعض العلماء: ليس المراد أنه انتهى إلى الشمس مغربًا ومشرقًا وصل إلى جرمها ومسها؛ لأنها تدور مع السماء حول الأرض من غير أن تلتصق بالأرض، وهي أعظم من أن تدخل في عين من عيون الأرض، بل هي أكبر من الأرض أضعافا مضاعفة، بل المراد أنه انتهى إلى آخر العمارة من جهة المغرب ومن جهة المشرق، فوجدها في رأي العين تغرب في عين حمئة، كما أنا نشاهدها في الأرض الملساء
كأنها تدخل في الأرض؛ ولهذا قال: {وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (90) } ،
ولم يرد أنها تطلع عليهم بأن تماسهم وتلاصقهم، بل أراد أنهم أول من تطلع عليهم.
وقال القتبي: ويجوز أن تكون هذه العين من البحر، ويجوز أن تكون الشمس تغيب وراءها أو معها أو عندها، فيقام حرف الصفة مقام صاحبه، وَالله أعلم.
وقال ابن كثير: وقوله: {وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} أي رأى الشمس في منظره تغرب في البحر المحيط، وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله يراها كأنها تغرب فيه، وهي لا تفارق الفلك الرابع الذي هي مثبتة فيه لا تفارقه. اهـ.
قلت: ومثله قول الناس"غابت الشمس في الأفق"مع أنها لا تغيب في الأفق حقيقة؛ وإنما تتوارى عنا من وراء الأفق لا فيه؛ لأن الشمس أكبر من الأرض بمئات المرات. فكيف تغيب في أفق الأرض الصغير جدًّا؟ كما أنها خارج محيط الأرض بل تبعد عنها آلاف الكيلومترات فكيف تغيب في الأفق؟ ومع ذلك نقول غابت في الأفق من باب التجوز لا على وجه الحقيقة.