قلت: وأما تفسير سجودها وتسبيحها، بنفوذ مشيئة الرب وقدرته فيهما، ودلالتها على الصانع فقط، فالاقتصار على هذا باطل، فإن هذا وصف لازم دائم لها، لا يكون في وقت دون وقت، وهو مثل كونها مخلوقة محتاجة فقيرة إلى الله تعالى؛ وعلى هذا فالمخلوقات كلها لا تزال ساجدة مسبحة؛ وليس المراد هذا فإنه قال تعالى: {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ} [ص: 18] ، وقال: {وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ} [ص: 19] ، وقال: قَدْ عَلِمَ
صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ [النور: 41] ، فقد أخبر سبحانه وتعالى عنه؛ أنه يعلم ذلك ودلالتها على الرب يعلمه عموم الناس، وأيضًا فقد أخبر الله تعالى في القرآن من كلام الهدهد والنمل وأن سليمان علم منطق الطير؛ بما يدل على الاختصاص، وهذا في الحيوان، وأيضًا فإنه جعل الجميع يسجد، ثم قال: {وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} [الحج: 18] ، وهذا المعنى يشترك فيه جميع المخلوقات دائمًا؛ وهو وصف لازم لكل مخلوق لا يزال مفتقرًا إلى الخالق، ولا يزال دالًا عليه، ولا يزال منقادًا لما يشاء الرب، وأيضًا فإنه قسم السجود إلى طوع وكره، وانفعالها لمشيئة الرب وقدرته، لا ينقسم إلى طوع وكره، ولا يوصف ذلك بطوع منها ولا كره؛ فإن دليل فعل الرب فيها ليس هو فعل منها البتة.