{الَّذِينَ} في موضع خفض أي للذين، ويجوز أن يكون في موضع رفع بالابتداء والخبر {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} أي انتقل إليهم وإذا كان الذين في موضع خفض كان يحبّون في موضع نصب على الحال أو مقطوعا مما قبله {وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا} معطوف عليه، وكذا {وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} أي فاقة إلى ما اثروا به. وكلّ كوّة أو خلل في حائط فهو خصاصة. {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} جزم بالشرط فلذلك حذفت الألف منه، ولا يجوز إثباتها إذا كان شرطا عند البصريين، ويجوز عند الكوفيين وشبّهوه بقول الشاعر:
474 -ألم يأتيك والأنباء تنمي
والفرق بين ذا والأول أن الألف لا تتحرك في حال والياء والواو قد يتحرّكان وهذا فرق بيّن ولكن الكوفيين خلطوا حروف المدّ واللين فجعلوا حكمها حكما واحدا، وتجاوزوا ذلك من ضرورة الشعر إلى أن أجازوه في كتاب الله جلّ وعزّ، وحملوا قراءة حمزة لا تخف دركا ولا تخشى [طه: 77] عليه في أحد أقوالهم. وأهل التفسير على أنّ الشحّ أخذ المال بغير الحقّ، وقد ذكرنا أقوالهم. والمعروف في كلام العرب أن الشّحّ أزيد من البخل، وأنه يقال: شحّ فلان يشحّ إذا اشتدّ بخله ومنع فضل المال، كما قال: [الوافر] 475 ترى اللّحز الشّحيح إذا أمرّت ... عليه لماله فيها مهينا
[سورة الحشر (59) : آية 10]
{وَالَّذِينَ جَاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (10) }
يكون {الَّذِينَ} في موضع خفض معطوفا على ما قبله أي والذين، وعلى هذا كلام أهل التفسير والفقهاء، كما قال مالك ليس لمن شتم أصحاب الرسول صلّى الله عليه وسلّم في الفيء نصيب لأن الله تعالى قال: {وَالَّذِينَ جَاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا} الآية، وقال قتادة: لم تؤمروا بسب أصحاب النبيّ وإنما أمرتم بالاستغفار لهم، وقال ابن زيد في معنى قوله {وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا} لا تورّث قلوبنا غلا لمن كان على دينك. {رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ} أي بخلقك. {رَحِيمٌ} لمن تاب منهم.
[سورة الحشر (59) : آية 11]