قلتُ: الرهبةُ مصدر"رُهِب"بالبناء للمفعول هنا ، فالمعنى أشدُّ موهوبيةً ، يعني أنكم في صدورهم أهيبُ من كونِ الله تعالى فيها ، ونظيرُه قولُك: زيدٌ أشدُّ ضرباً في الدار من عمرو ، يعني مضروبيةً.
5 -قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ)
ختمه هنا بقوله"لا يفقهون"وبعده بقوله"لا يعقلون"لأن الأول متصل بقوله"لأنتُمْ أشدُّ رهْبَةً في صدُورِهمْ منَ اللَّهِ"أي لأنهم يفقهون ظاهر الشيء دون باطنه ، والفقهُ معرفةُ الظاهر والباطن ، فناسب نفيُه الفقه عنهم.
والثاني متَّصلٌ بقوله"تَحْسبُهم جَمِيعاً وقلوبُهُمْ شَتَّى"أي لو عقلوا لاجتمعوا على الحقِّ ولم يتفرَّقوا ، فناسب نَفيُ العقلِ عنهم.
إن قلتَ: كيف يستقيم التفضيلُ بأشدِّيةِ الرهبة ، مع أنهم لا يرهبون اللّه ، لأنهم لو رهبوه لتركوا النفاق والكفر ؟!
قلتُ: معناه أن رهبتَهم في السرِّ منكم ، أشدُّ من رهبتهم من اللّه تعالى ، التي يظهرونها لكم ، وكانوا يُظهرون للمؤمنين رهبةً شديدةً من اللّه تعالى .
6 -قوله تعالى: (وَلْتنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ . .) أي: يوم القيامة ، وفائدة تنكير النَّفْس ، بيانُ أنَّ الأنفس الناظرة في معادها قليلةٌ جداً ، كأنه قيل: ولْتنظرْ نفسٌ واحدةٌ في ذلك ، وأين تلك النَّفسُ!! وفائدةُ تنكير"الغَدِ"تعظيمُه ، وإبهامُ أمره ، كأنه قيل: لا تعرف النفسُ كُنْه عَظَمتِهِ وهوله ، فالتنكير فيه للتعظيم ، وفي النَّفس للتقليل.
فإن قلتَ: الغَدُ اليومُ الذي يعقب ليلتك ، فكيف أطلق على يوم القيامة ؟
قلتُ: الغَدُ له معنيان: ما ذكرتم ، ومطلقُ الزمان والمسقبل ، كما أنَ للأمسِ معنييْن مقابلين لما ذكرنا ، وقيل: إنما أطلق الغد على يوم القيامة تقريباً له ، لقوله تعالى"وما أمرنا إلَّا واحدة كلمح البصرِ"فكأنه لقربه أشبهَ اليومَ الذي يعقب ليلتك.