{وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة: 130] يعني: أن إبراهيم كان على ملة الخلة وغيره جهل نفسه وأحب غير الله فقد رغب عن ملة إبراهيم فمن يحب قشر الجسمانية الظلمانية ووصل إلى لب الروحانية النورانية، ثم علم أن هذا اللب أيضا قشر فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن لله سبعين ألف حجاب من نور وظلمة"فعبر عن القشر الروحاني فيصل إلى لبه الذي هو محبوب الحق ومحبته فقد عرف نفسه، ولما عرف نفسه فقد عرف ربه بتوسله لا شرك فيه وأنه لما عرضت الأمانة عليه وعلى المخلوقات وهو الفيض الإلهي كما قررنا في الوجه المنور برشاش نور الله عرف شرف الأمانة وقصدها فكما لم يكن بهم ذا جبلة يحملها روح الملائكة وغيرهم منوراً برشاش نور الله ما عرفوها حق المعرفة وما كانوا مخصوصين بالمحبوبية، ولم يكن لهم راحلة يحملها بقوة الظلومية والجهولية فلما علموا خطر حملها،
{فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} [الأحزاب: 72] وبمحمل الجسدانية وقوة الظلومية والجهولية حملها الإنسان فصارت الظلومية والجهولية في حق حاملي الأمانة ومؤدي حقها مدحا وفي حق الخائنين فيها ذماً وكل وجه ذكره المفسرون في معنى يدل على هذا قوله {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة: 130] أي: من جهل نفسه في معنى الأمانة حق ولكن طرقها ودعاؤها فحقيقتها ما ذكرنا وما هو قريب بها، والله أعلم.
بقوله تعالى: {لِّيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ} [الأحزاب: 73] هذه اللام لأمر الصيرورة والعاقبة يشير إلى أن الحكمة في عرض الأمانة أن يكون الخليفة في أمرها على ثلاث طبقات:
طبقة منها: تكون للملائكة وغيرهم ممن لم يحملها فلا يكون في ذلك لهم ثواب ولا عذاب.