وقد منَّ الله على بني إسرائيل، فأرسل إليهم كليمه موسى - صلى الله عليه وسلم -، وآتاه التوراة، ثم تابع من بعده الرسل الذين يحكمون بالتوراة من بني إسرائيل، إلى أن ختم أنبياءهم بعيسى بن مريم - صلى الله عليه وسلم -، وآتاه من الآيات البينات ما يؤمن على مثله البشر.
ثم مع هذه النعم التي لا يعرف قدرها إلا الله، كلما جاءهم رسول بما لا تهواه أنفسهم استكبروا عن الإيمان به، ففريقاً من الأنبياء كذبوهم، وفريقاً قتلوهم: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) } [البقرة: 87] .
وقد خان اليهود الأمانة ونقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، فطبع الله على قلوبهم: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) } [النساء: 155] .
فلما فعلوا هذه الكبائر والجرائم والقبائح والفواحش، كتب الله عليهم لعنته وغضبه، وانتزع من أيديهم أمانة القيام على دينه في الأرض إلى يوم القيامة، فلم يعودوا صالحين للاقتداء، ولا مؤهلين لحمل الأمانة، فلا يستحقون إلا الذلة واللعنة والغضب: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61) } [البقرة: 61] .