وجاهدوا في الله حق جهاده فقد انتدبكم لهذه الأمانة الضخمة، واختاركم لها من بين عباده، وإنه لإكرام من الله لهذه الأمة، ينبغي أن يقابل منها بالشكر، وحسن الأداء لهذه الأمانة.
وهو تكليف محفوف برحمة الله، فلا حرج فيه ولا مشقة.
وهذا الدين كله بتكاليفه وعباداته وشرائعه، ملحوظ فيه فطرة الإنسان وطاقته، فلا تبقى طاقته حبيسة مكتومة، ولا تنطلق انطلاق الحيوان الغشيم الذي يتلف كل شيء بلا حساب.
إنه منهج الله الذي أكرم به البشرية، ملة أبيكم إبراهيم، منبع التوحيد الذي بقي في ذريته، لم ينقطع من الأرض، كما انقطع من قبل إبراهيم، وقد سماكم الله بالمسلمين من قبل، وبعد نزول القرآن.
والإسلام هو إسلام الوجه والقلب لله وحده لا شريك له، فكانت الأمة المسلمة ذات منهج واحد على تتابع الرسل والرسالات والأجيال، حتى انتهى بها
المطاف إلى أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وحتى سلمت إليها الأمانة، وعهد الله إليها بالوصاية على البشرية إلى يوم القيامة.
فهذه الأمة هي القوامة على البشرية بعد نبيها، وهي الوصية على الناس بموازين شريعتها، وهي أمينة على ذلك، ومسئولة عنه.
فعليها أداء الشهادة لهذا الدين من خلال واقعها، ومنهج حياتها، كما أراد الله، ليدخل الناس في دين الله أفواجاً، وهي مسؤولة عنهم، وشاهدة عليهم.
فما أعظم الكرامة .. وما أكبر المهمة .. وما أثقل الأمانة.
فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يشهد على هذه الأمة، وهذه الأمة تشهد على الناس: {لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [الحج: 78] .
وقد ظلت هذه الأمة وصية على البشرية طالما استمسكت بذلك المنهج الإلهي، وطبقته في حياتها الواقعية، ومشت به في الناس.
حتى إذا انحرفت عنه، وتخلت عن تكاليفه، ردها الله من مكان القيادة والعزة، إلى مكان التابع في ذيل القافلة، حتى تحكم فيها أحفاد القردة والخنازير من اليهود والنصارى.
وما تزال ولن تزال حتى تعود إلى هذا الأمر الذي اصطفاها الله له.