وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ الَّذِي يَعُدُّ الْمَصَائِبَ، وَيَنْسَى النِّعَمَ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ قَلِيلُ الْخَيْرِ، وَالْأَرْضُ الْكَنُودُ الَّتِي لَا نَبْتَ بِهَا، وَقِيلَ: الَّتِي لَا تُنْبِتُ شَيْئًا مِنَ الْمَنَافِعِ، وَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ: الْكَنُودُ الَّذِي أَنْسَتْهُ الْخَصْلَةُ الْوَاحِدَةُ مِنَ الْإِسَاءَةِ الْخِصَالَ الْكَثِيرَةَ مِنَ الْإِحْسَانِ.
وَلَوْ عَلِمَ هَذَا الظَّالِمُ الْجَاهِلُ أَنَّهُ هُوَ الْقَاعِدُ عَلَى طَرِيقِ مَصَالِحِهِ يَقْطَعُهَا عَنِ الْوُصُولِ إِلَيْهِ، فَهُوَ الْحَجَرُ فِي طَرِيقِ الْمَاءِ الَّذِي بِهِ حَيَاتُهُ، وَهُوَ السُّكْرُ الَّذِي قَدْ سَدَّ مَجْرَى الْمَاءِ إِلَى بُسْتَانِ قَلْبِهِ، وَيَسْتَغِيثُ مَعَ ذَلِكَ: الْعَطَشَ الْعَطَشَ، وَقَدْ وَقَفَ فِي طَرِيقِ الْمَاءِ، وَمَنَعَ وُصُولَهُ إِلَيْهِ، فَهُوَ حِجَابُ قَلْبِهِ عَنْ سِرِّ غَيْبِهِ، وَهُوَ الْغَيْمُ الْمَانِعُ لِإِشْرَاقِ شَمْسِ الْهُدَى عَلَى الْقَلْبِ، فَمَا عَلَيْهِ أَضَرُّ مِنْهُ، وَلَا لَهُ أَعْدَاءٌ أَبْلَغُ فِي نِكَايَتِهِ وَعَدَاوَتِهِ مِنْهُ.
مَا تَبْلُغُ الْأَعْدَاءُ مِنْ جَاهِلٍ ... مَا يَبْلُغُ الْجَاهِلُ مِنْ نَفْسِهِ
فَتَبًّا لَهُ ظَالِمًا فِي صُورَةِ مَظْلُومٍ، وَشَاكِيًا وَالْجِنَايَةُ مِنْهُ، قَدْ جَدَّ فِي الْإِعْرَاضِ وَهُوَ يُنَادِي: طَرَدُونِي وَأَبْعَدُونِي، وَلَّى ظَهْرَهُ الْبَابَ، بَلْ أَغْلَقَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَضَاعَ مَفَاتِيحَهُ وَكَسَرَهَا، وَيَقُولُ:
دَعَانِي وَسَدَّ الْبَابَ دُونِي فَهَلْ إِلَى ... دُخُولِي سَبِيلٌ بَيِّنُوا لِي قِصَّتِي
يَأْخُذُ الشَّفِيقُ بِحُجْزَتِهِ عَنِ النَّارِ، وَهُوَ يُجَاذِبُهُ ثَوْبَهُ وَيَغْلِبُهُ وَيَقْتَحِمُهَا، وَيَسْتَغِيثُ: مَا حِيلَتِي؟ وَقَدْ قَدَّمُونِي إِلَى الْحُفَيْرَةِ وَقَذَفُونِي فِيهَا، وَاللَّهِ كَمْ صَاحَ بِهِ النَّاصِحُ: الْحَذَرَ الْحَذَرَ، إِيَّاكَ إِيَّاكَ، وَكَمْ أَمْسَكَ بِثَوْبِهِ، وَكَمْ أَرَاهُ مَصَارِعَ الْمُقْتَحِمِينَ وَهُوَ يَأْبَى إِلَّا الِاقْتِحَامَ:
وَكَمْ سُقْتُ فِي آثَارِكُمْ مِنْ نَصِيحَةٍ ... وَقَدْ يَسْتَفِيدُ الظِّنَّةَ الْمُتَنَصِّحُ