ونقل الحافظ ابن حجر عن الخطابي قوله: معناه أمره بالعادة المعروفة التي جرت بينهم في مقدار الشرب. ثم قال ابن حجر: يحتمل أن يكون المراد أمره بالقصد والأمر الوسط مراعاة للجوار ويدل عليه رواية شعيب المذكورة ومثلها لمعمر في التفسير وهو ظاهر في أنه أمره أولا أن يسامح ببعض حقه على سبيل الصلح وبهذا ترجم البخاري في الصلح إذا أشار الإمام بالمصلحة فلما لم يرض الأنصاري بذلك استقصى الحكم وحكم به.
وحكى الخطابي أن فيه دليلًا على جواز فسخ الحاكم حكمه، قال: لأنه كان له في الأصل أن يحكم بأي الأمرين شاء فقدم الأسهل إيثارًا لحسن الجوار فلما جهل الخصم موضع حقه رجع عن حكمة الأول وحكم بالثاني ليكون ذلك أبلغ في زجره وتعقب بأنه لم يثبت الحكم أولا كما تقدم بيانه قال وقيل بل الحكم كان ما أمر به أولا فلما لم يقبل الخصم ذلك عاقبه بما حكم عليه به ثانيا على ما بدر منه وكان ذلك لما كانت العقوبة بالأموال.
وقد وافق ابن الصباغ من الشافعية على هذا الأخير وفيه نظر وسياق طرق الحديث يأبى ذلك كما ترى لا سيما قوله واستوعى للزبير حقه في صريح الحكم وهي رواية شعيب في الصلح ومعمر في التفسير فمجموع الطرق دال على أنه أمر الزبير أولًا أن يترك بعض
حقه وثانيًا أن يستوفي جميع حقه قوله.
وقال أيضًا: لو خالف فحكم في حال الغضب صح أن صادف الحق مع الكراهة هذا قول الجمهور وقد تقدم أنه - صلى الله عليه وسلم - قضى للزبير بشراج الحرة بعد أن أغضبه خصم الزبير لكن لا حجة فيه لرفع الكراهة عن غيره لعصمته - صلى الله عليه وسلم - فلا يقول في الغضب إلا كما يقول في الرضا.
قال ابن المنير: أدخل البخاري حديث أبي بكرة الدال على المنع ثم حديث أبي مسعود الدال على الجواز تنبيهًا منه على طريق الجمع بأن يجعل الجواز خاصًا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لوجود العصمة في حقه والأمن من التعدي أو إن غضبه إنما كان للحق فمن كان في مثل حاله جاز وإلا منع وهو كما قيل في شهادة العدو إن كانت دنيوية رُدت وإن كانت دينية لم تُرد قاله ابن دقيق العيد وغيره.