وقد شرع الطحاوي: بعد ذكر الحديثين في التوفيق بينهما فقال: فَكَانَ جَوَابُنَا له في ذلك أَنَّ الذي رَوَيْنَاهُ عن أبي بَكْرَةَ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على غَيره من الحكَّامِ لِلْخَوْفِ عليهم فِيمَا يَنْقُلُهُمْ إلَيْهِ الْغَضَبُ من الْعَدْلِ في الْحُكْمِ إلَى خِلافِهِ وَالَّذِي في حديث الزُّبَيْرِ فَمُخَالِف لِذَلِكَ لأَنَّهُ في رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وَرَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في تَوَلِّي الله تَعَالَى إيَّاهُ وَعِصْمَتِهِ له وَحِفْظِهِ عليه أُمُورَهُ بِخِلافِ الناس في مِثْلِ ذلك فَانْطَلَقَ ذلك لِرَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فَاسْتَعْمَلَهُ ولم يَنْطَلِقْ ذلك لغَيْرِه فَنَهَاهُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنه كما حدثه أبو بَكْرَةَ عنه وَالله أَعْلَمُ.
وقال القاري فإن قلت هل هذا النهي نهي تحريم أو كراهة؟ قلت: نهي تحريم عند أهل الظاهر وحمله العلماء على الكراهة حتى لو حكم في حال غضبه بالحق نفذ حكمه وهو مذهب الجمهور فإن قلت قد صح عنه أنه قد حكم في حالة غضبه كحكمه للزبير في شراج الحرة حين قال له الأنصاري أن كان ابن عمتك فتلون وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال"اسق يا زبير"... الحديث، وفي الصحيح أيضا في قصة عبد الله بن عمر حين طلق امرأته
وهي حائض فذكره عمر - صلى الله عليه وسلم - لرسول الله فتغيظ رسول الله، قلت: أجابوا عنه بأجوبة أحسنها: أنه كان معصومًا فلا يتطرق إليه احتمال ما يخشى من غيره في الحكم وغيره.
وقال الشوكاني: ولا يخفى أنه يصح إلحاق غيره - صلى الله عليه وسلم - في مثل ذلك لأنه معصوم عن الحكم بالباطل في رضائه وغضبه بخلاف غيره فلا عصمة تمنعه عن الخطأ ولهذا ذهب بعض الحنابلة إلى أنه لا ينفذ الحكم في حالة الغضب لثبوت النهي عنه والنهي يقتضي الفساد وفصل بعضهم بين أن يكون الغضب طرأ عليه بعد أن استبان له الحكم فلا يؤثر وإلا فهو محل الخلاف.