قال النووي: قَالَ المازِرِيّ وَغَيْره: يَحْتَمِل مَا جَرَى مَعَ دِحْيَة وَجْهَيْنِ: أَحَدهمَا: أَنْ يَكُون رَدَّ الْجَارِيَة بِرِضَاهُ وَأَذِنَ لَهُ فِي غَيْرهَا، وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي جَارِيَة لَهُ مِنْ حَشْو السَّبْي لَا أَفْضَلهنَّ، فَلَمَّا رَأَى النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ أَخَذَ أَنْفَسهنَّ وَأَجْوَدهنَّ نَسَبًا وَشرَفًا فِي قَوْمهَا، وَجَمَالًا اِسْتَرْجَعَهَا؛ لأَنَّهُ لَمْ يَأْذَن فِيهَا، وَرَأَى فِي إِبْقَائِهَا لِدِحْيَة مَفْسَدَة لِتَمَيُّزِهِ بِمِثْلِهَا عَلَى بَاقِي الْجَيْش، وَلِمَا فِيهِ مِنْ اِنْتِهَاكهَا مَعَ مَرْتَبَتهَا، وَكَوْنهَا بِنْت سَيِّدهمْ، وَلمِا يَخَاف مِنْ اِسْتِعْلَائِهَا عَلَى دِحْيَة بِسَبَبِ مَرْتَبَتهَا، وَرُبَّمَا تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ شِقَاق أَوْ غَيْره، فَكَانَ أَخْذه - صلى الله عليه وسلم - إِيَّاهَا لِنَفْسِهِ قَاطِعًا لِكُلِّ هَذِهِ الْمَفَاسِد الْمتخَوَّفَة، وَمَعَ هَذَا فَعَوَّضَ دِحْيَة عَنْهَا. وَقَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى:"إِنَّهَا وَقَعَتْ فِي سَهْم دِحْيَة، فَاشْتَرَاهَا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بِسَبْعَةِ أَرْؤُس، يَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ: (وَقَعَتْ فِي سَهْمه) أَي: حَصَلَتْ بِالْإِذْنِ فِي أَخْذ جَارِيَة لِيُوَافِق بَاقِي الرِّوَايَات، وَقَوْله: (اِشْتَرَاهَا) أَيْ: أَعْطَاهُ بَدَلهَا سَبْعَة أَنْفُس تَطْيِيبًا لِقَلْبِهِ، لَا أَنَّهُ جَرَى عَقْد بَيْع، وَعَلَى هَذَا تَتَّفِق الرِّوَايَات."
الوجه الثالث: النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يغتصب صفية وحاشاه.
والدليل على ذلك عدة أمور: أولها: إشهار عرسه عليها. ففي بعض روايات الحديث:".. ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ تُصَنِّعُهَا لَهُ وَتُهَيِّئُهَا، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَتَعْتَدُّ فِي بَيْتِهَا؛ وَهِي صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيي، قَالَ: وَجَعَلَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وَلِيمَتَهَا التَّمْرَ وَالأَقِطَ وَالسَّمْنَ، فُحِصَتِ الأَرْضُ"