قال مناظرنا: إن الأستاذ كتب للمسلمين , وكلامه مبني على التسليم بنبوة
محمد , وهو لا ينهض حجة على النصارى الذين ينظرون في المسألة نظرًا تاريخيًّا
وقد ألمعنا إلى هذا من قبل , ولذلك بنينا الكلام على أن محمدًا رجل مصلح باسم
النبوّة تنزلاً جدليًّا , وإن كان الذين يعتقد فيهم صاحبنا وقومه النبوّة ليس لهم من
الأثر الإصلاحي الديني عشر معشاره. أما كونه مصلحًا فلا ينكره منهم عاقل , وقد
قال لي الدكتور فانديك الشهير: إن مبدأ الاصلاح الذي وضعه محمد هو أعظم
المبادئ وأقواها , وهو الوحدة في الاعتقاد والاجتماع ... ورأيت بعض من كتب
في تاريخ العرب من الإفرنج جعل تاريخهم قسمين قسمًا سماه(ما قبل الإصلاح
المحمدي), وقسمًا سماه (ما بعد الإصلاح المحمدي) وكل هذا من البديهيات
فلنرجع إلى أصل المسألة.
المخالف موافق لنا في شيء واحد , وهو أن الآيات الواردة في المسألة
متضمنة لإبطال التبني الذي كانت العرب تدين به , ولكنه يدعي أن إبطال هذه
البدعة لم يكن مقصودًا أولاً وبالذات , وإنما كان حيلة للتوسل إلى تزوج محمد
بزينب بعد أن تزوجها عتيقه ومتبناه زيد بن حارثة ورآها عنده قد زادت حسنًا عما
كان يعهد. ولو كان الغرض إبطال التبني وما يترتب عليه من الأحكام الجائرة
والمفاسد الضائرة؛ لعهد بتنفيذ ذلك إلى غيره من أتباعه. ونجيب عن هذا من
وجوه تضمنها كلام الأستاذ أو استلزمها.
(الأول) من المشهود المعهود في البشر أن العادات والتقاليد متى صارت
عامة يصعب على النفوس أن تتركها لمجرد أمر مصلح لا سيما في أول زمن
الدعوة إلى الإصلاح , ولا يقدم على الابتداء بخرق العادة وتمزيق حجب التقليد إلا
أصحاب العزائم الكبيرة , وهم المصلحون الذين يستهدفون لسهام الانتقاد العام
ويتحملون في سبيل الإصلاح كل إهانة وسخرية من الدهماء وجماهير الناس؛
ليكونوا قدوة لغيرهم في ذلك. وقد اتفق علماء التربية على أن ملاكها وقوامها
الاقتداء والتأسي لا القول والإرشاد اللفظي. وكذلك كان شأن النبي(صلى الله عليه
وسلم)في كل ما أبطله من اعتقاداتهم وتقاليدهم وعاداتهم يبدأ بنفسه ثم بأقرب