إلاَّ أنَّ بعضَهم تكلَّم في هذه القراءةِ مِنْ وجهين ، أحدهما: قال أبو حاتم: يقال: قَرَرْتُ بالمكان بالفتح أقِرُّ به بالكسر وقَرَّتْ عينُه بالكسر تَقَرُّ بالفتح ، فكيف يُقرأ"وَقَرْنَ"بالفتح؟ والجوابُ عن هذا: أنه قد جُمِعَ في كلٍ منهما الفتحُ والكسرُ ، حكاه أبو عبيد . وقد تقدَّم ذلك في سورة مريم .
الثاني: سَلَّمْنا أنه يُقال: قَرِرْت بالمكان بالكسر أَقَرُّ به بالفتح ، وأنَّ الأمرَ منه اقْرَرْنَ ، إلاَّ أنه لا مُسَوِّغَ للحذفِ ؛ لأن الفتحةَ خفيفةٌ ، ولا يجوز قياسُه على قولِهم"ظَلْتُ"وبابِه ؛ لأن هناك شيئَيْن ثقيلين: التضعيفَ والكسرةَ فحَسُنَ الحذفُ ، وأمَّا هنا فالتضعيفُ فقط .
والجوابُ: أنَّ المقتضِيَ للحذفِ إنما هو التكرارُ .
ويؤيد هذا أنهم لم يَحْذِفوا مع التكرارِ ووجودِ الضمةِ ، وإنْ كانت أثقلَ نحو: اغْضُضْنَ أبصارَكنَّ ، وكان أَوْلَى بالحذفِ فيُقالُ: غُضْنَ . لكنَّ السماعَ خلافُه . قال تعالى: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} [النور: 31] . على أن الشيخَ جمالَ الدين بن مالك قال:"إنه يُحْذَفُ في هذا بطريقِ الأَوْلى"أو تقولُ: إنَّ هذه القراءةَ إنما هي مِنْ قارَ يَقارُ بمعنى اجتمع . وهو وجهٌ حسنٌ بريءٌ من التكلُّفِ ، فيندفع اعتراضُ أبي حاتمٍ وغيرِه ، لولا أنَّ المعنى على الأمرِ بالاستقرارِ لا بالاجتماع .