لكن ، هل قال بشر لبشر: أنا أصوم شهراً ، أو يوماً تقرُّباً إليك؟ لا . . لأن الصيام للغير المماثل تذنيب للمصوم له لا للصائم ؛ لأنه سيُضطرّ لأنْ يظل طوال اليوم يراقبك ، أكلتَ أم لم تأكل؟
ولأن الصوم هو العبادة الوحيدة التي لم يتقرب بها بشر لبشر قال الله عنها في الحديث القدسي: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم ، فإنه لي ، وأنا أجزي به"يعني: جزاؤه خارج المقرر كما قلنا ."
ومن عظمة تكليف الصوم أيضاً أن الله تعالى أحلَّ لنا أشياء ، وحرَّم علينا أشياء أخرى تحريماً أبدياً ، فالذي تحمَّل التكليف أَلِفَ الحلال ولم يألف ما حُرِّم عليه ، ورسختْ هذه العقيدة في نفسه ، حتى أن الحرام لا يخطر بباله أبداً ، فلم يأْتِ على باله مرة مثلاً أنْ يشرب الخمر ، أو يأكل الميتة ، فهذه مسألة منتهية بالنسبة له ، فأراد الله تعالى أنْ يديم لذَّة التكليف على البشر ، ففرضَ الصومَ الذي يُحرِّم عليك اليوم ما كان مُحلَّلاً لك بالأمس ومألوفاً حتى صار عادة .
إذن: هناك فَرْق بين دوام العادة ولذة العبادة ، وتأمل مثلاً يوم الفطر ، والفطر عادة لك في غير هذا اليوم ، وأنت حر تفطر أو لا تفطر ، فإذا ما جاء يوم عيد الفطر أخرجك ربك من العادة إلى العبادة ، وجعله تكليفاً أنْ تفطر قبل الخروج للصلاة .
ثم يقول تعالى: {والحافظين فُرُوجَهُمْ والحافظات ...} [الأحزاب: 35] جاءتْ مسألة حِفْظ الفروج بعد ذكر الصيام ؛ لأن الصيام امتناعٌ عن شهوتَيْ البطن والفرج ، شهوة البطن جعلها الله تعالى لحفظ الحياة بالطعام والشراب ، وشهوة الفرج جعلها الله تعالى لحفظ النوع بالنكاح والتناسل .