قال الجمل: وقوله: فَتَعالَيْنَ فعل أمر مبنى على السكون، ونون النسوة فاعل.
وأصل هذا الأمر أن يكون الآمر أعلى مكانا من المأمور، فيدعوه أن يرفع نفسه إليه، ثم كثر استعماله حتى صار معناه أقبل. وهو هنا كناية عن الاختيار والإرادة. والعلاقة هي أن المخبر يدنو إلى من يخبره.
وقوله: أُمَتِّعْكُنَّ مجزوم في جواب الأمر. والمتعة: ما يعطيه الرجل للمرأة التي طلقها، زيادة على الحقوق المقررة لها شرعا، وقد جعلها - سبحانه - حقا على المحسنين الذين يبغون رضا الله - تعالى - وحسن ثوابه.
وقوله وَأُسَرِّحْكُنَّ معطوف على ما قبله، والتسريح: إرسال الشيء، ومنه تسريح الشعر ليخلص بعضه من بعض. ويقال: سرح فلان الماشية، إذا أرسلها لترعى.
والمراد به هنا: طلاق الرجل للمرأة، وتركها لعصمته.
أي: قل - أيها الرسول الكريم - لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها، ولا تستطعن الصبر على المعيشة معى، فلكن أن تخترن مفارقتي، وإنى على استعداد أن أعطيكن المتعة التي ترضينها، وأن أطلقكن طلاقا لا ضرر فيه، ولا ظلم معه، لأنى سأعطيكن ما هو فوق حقكن.
وَإِنْ كُنْتُنَّ لا تردن ذلك، وإنما تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ.
أي: وإنما تردن ثواب الله - تعالى - والبقاء مع رسوله صلّى الله عليه وسلم، وإيثار شظف الحياة على زينتها، وإيثار ثواب الدار الآخرة على متع الحياة الدنيا.
إن كنتن تردن ذلك فاعلمن أن اللَّهَ - تعالى - أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ، بسبب إيمانهن وإحسانهن أَجْراً عَظِيماً لا يعلم مقداره إلا الله - تعالى - .
وبهذا التأديب الحكيم، والإرشاد القويم، أمر الله - تعالى - رسوله صلّى الله عليه وسلم أن يؤدب نساءه، وأن يرشدهن إلى ما فيه سعادتهن، وأن يترك لهن حرية الاختيار.
ثم وجه - سبحانه - الخطاب إلى أمهات المؤمنين، فأدبهن أكمل تأديب وأمرهن بالتزام الفضائل، وباجتناب الرذائل، لأنهن القدوة لغيرهن من النساء، ولأنهن في بيوتهن ينزل الوحي على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال - تعالى -:
[سورة الأحزاب (33) : الآيات 30 إلى 34]