ثم حكت ما قاله المنافقون في تلك الساعات العصيبة، وما أشاروا به على أشباههم في النفاق، وما اعتذروا به من أعذار باطلة، وما جبلوا عليه من أخلاق قبيحة، على رأسها الجبن والخور وضعف العزيمة وفساد النية.
ثم انتقلت إلى الحديث عن المواقف المشرقة الكريمة التي وقفها المؤمنون الصادقون عند ما رأوا الأحزاب، وكيف أنهم ازدادوا إيمانا على إيمانهم، ووفوا بعهودهم مع الله - تعالى - دون أن يبدلوا تبديلا.
وكما بدئت الآيات بتذكير المؤمنين بنعم الله - تعالى - عليهم، ختمت - أيضا - بهذا التذكير حيث رد الله أعداءهم عنهم دون أن ينالوا خيرا، ومكنهم من معاقبة الغادرين من اليهود.
ثم عادت السورة الكريمة مرة أخرى - بعد هذا الحديث عن غزوة الخندق - إلى بيان التوجيهات الحكيمة التي وجهها الله - تعالى - إلى نبيه صلّى الله عليه وسلّم وإلى أزواجه، فقال - سبحانه -:
[سورة الأحزاب (33) : الآيات 28 إلى 29]
(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً(28)
ففي هاتين الآيتين يأمر الله - تعالى - نبيه صلّى الله عليه وسلّم أن يخير أزواجه بين أن يعشن معه معيشة الكفاف والزهد في زينة الحياة الدنيا وبين أن يفارقهن ليحصلن على ما يشتهينه من زينة الحياة الدنيا.
قال الإمام القرطبي ما ملخصه: قال علماؤنا: هذه الآية متصلة بمعنى ما تقدم من المنع من إيذاء النبي صلّى الله عليه وسلّم وكان قد تأذى ببعض الزوجات. قيل: سألنه شيئا من عرض الدنيا.
وقيل: سألنه زيادة في النفقة.
روى البخاري ومسلم - واللفظ لمسلم - عن جابر بن عبد الله قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فوجد الناس جلوسا ببابه لم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن لأبى بكر فدخل، ثم جاء عمر فاستأذن فأذن له، فوجد النبي صلّى الله عليه وسلّم جالسا حوله نساؤه.