سائر القرابات يشترك الأب والابن في المحرمية «1» إلا العم والخال وأبناءهما. فإذا رآها الأب فربما وصفها لابنه وليس بمحرم ، فيدانى تصوّره لها بالوصف نظره إليها ، وهذا أيضا من الدلالات البليغة على وجوب الاحتياط عليهن في التستر. كانت المرأة تضرب الأرض برجلها ليتقعقع خلخالها ، فيعلم أنها ذات خلخال. وقيل: كانت تضرب بإحدى رجليها الأخرى ليعلم أنها ذات خلخالين. وإذا نهين عن إظهار صوت الحلي بعد ما نهين عن إظهار الحلي ، علم بذلك أن النهي عن إظهار مواضع الحلي أبلغ وأبلغ. أوامر اللّه ونواهيه في كل باب لا يكاد العبد الضعيف يقدر على مراعاتها. وإن ضبط نفسه واجتهد ، ولا يخلو من تقصير يقع منه ، فلذلك وصى المؤمنين جميعا بالتوبة والاستغفار ، وبتأميل الفلاح إذا تابوا واستغفروا. وعن ابن عباس رضى اللّه عنهما: توبوا مما كنتم تفعلونه في الجاهلية ، لعلكم تسعدون في الدنيا والآخرة فإن قلت: قد صحت التوبة بالإسلام ، والإسلام يجب ما قبله ، فما معنى هذه التوبة؟ قلت: أراد بها ما يقوله العلماء: إن من أذنب ذنبا ثم تاب عنه ، يلزمه كلما تذكره أن يجدد عنه التوبة ، لأنه يلزمه أن يستمرّ على ندمه وعزمه إلى أن يلقى ربه. وقرئ: أيه المؤمنون ، بضم الهاء ، ووجهه أنها كانت مفتوحة لوقوعها قبل الألف ، فلما سقطت الألف لالتقاء الساكنين أتبعت حركتها حركة ما قبلها.
[سورة النور (24) : آية 32]
وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (32)
الْأَيامى واليتامى: أصلهما أيائم ويتائم ، فقلبا. والأيم: للرجل والمرأة. وقد آم وآمت وتأيما: إذا لم يتزوجا بكرين كانا أو ثيبين. قال:
فإن تنكحى أنكح وإن تتأيّمى وإن كنت أفتي منكم أتأيّم «2»
وعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم «3» . «اللهم إنا نعوذ بك من العيمة والغيمة والأيمة والكزم والقرم «4» ، والمراد: أنكحوا من تأيم منكم من الأحرار والحرائر ، ومن كان فيه صلاح من
(1) . قوله «يشترك الأب والابن في المحرمية» الرابط محذوف ، أي: يشترك بها الأب ... الخ. (ع)
(2) . آم الرجل - بالمد - والمرأة. وتأيما: إذا لم يتزوجا بكرين أو ثيبين ، يقول لمحبوبته ، إن تتزوجي أتزوج وإن لم تتزوجي لم أتزوج. وجملة «و إن كنت أفتى منكم» اعتراضية. والأفتى الأكثر فتية وشبابا. وعبر بضمير جمع الذكور للتعظيم ، ورفع المضارع في جواب الشرط كما هنا قليل ، ولعله ارتكبه لأجل القافية.
(3) . لم أجده
(4) . قوله «من العيمة والغيمة والأيمة والكزم والقرم» في الصحاح «العيمة» شهوة اللبن. وفيه: «الغيم» العطش وحر الجوف اه وهو يفيد أن «الغيمة» المرة من ذلك. وفيه «الأيامى» الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء. وآمت المرأة من زوجها تئيم أيمة. وفيه: كزم الشيء بمقدم فيه ، أي: كسره واستخرج ما فيه. وفيه:
قرم الصبى والبهم قرما ، وهو أكل ضعيف في أول ما يأكل. والقرم - بالتحريك -: شدة شهوة اللحم اهـ. ويروى في الحديث «القذم» بالذال بدل الراء. وفي الصحاح: القذم على وزن الهجف: الشديد. وفيه أيضا: الهجف من النعام ومن الناس. الجافي الثقيل. قال الكميت:
هو الأضبط الهواس فينا شجاعة وفيمن يعاديه الهجف المثقل
ولا يستقيم الوزن إلا بتشديد الفاء. وفيه «الهواس» : الأسد (ع)