واستعير اللباس لوصف شدة الجوع، وذلك في قوله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} . تزخر هذه الآية بصور استعارية موحية. فقال (أذاقها / لباس) لارادة الشمول والدلالة على الإحساس بالمرارة والكراهة التي نزلت بهم ويعطينا توظيف (لباس) في هذا الجو وحيا بالهزال وضآلة الأجسام وتغير الألوان وشحوبها، (( وكسوف البال ) )فضلا عن الارتعاش ضعفا وخوفا فإن هاجس الخوف قد تملك كيان الإنسان حتى كأنه قد ملأ جوفه فضلا عن ظاهر بدنه.
(البأساء والضراء)
اجتمعت لمادة (بأس) دلالات الشدة والبؤس والشقاء. والمكاره. ويفرق اللسان العربي بين صيغ هذه المادة فيستعمل البأس للدلالة على القوة والشدة في الحرب، أما البؤس فيكون في سياق الكرب والحاجة وشدتها، وتستعمل البائس لارادة معنى المحتاج مع كرب، أما البأساء فتستعمل
للمكاره، فإن (( البؤس والبائس والبأساء الشدة والمكروه، إلاَّ أن البؤس في الفقر والحرب أكثر والبأس والبأساء في النكاية ) ).
وجاءت في البيان القرآني (4 مرات) منها قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ - فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} . وحملت (البأساء والضراء) على معنى (( الخصب والجدب ) )أما تفسير الضراء بالجدب فوجه التقريب فيه واضح، ولا يخفى التخصيص فيه، على حين لا يفهم وجه لتفسير (البأساء) بالخصب، حتى أن وجه النظر فيه إلى الفتنة المصاحبة للخصب بعيد ولا يعين عليه السياق.