21 -والخطاب في قوله: {انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ} لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ، ويحتمل أن يكون لكل من له أهلية النظر والاعتبار و {كَيْفَ} في محل النصب على الحالية، بفضَّلنا لا بانظر، لأنّ أسماء الاستفهام مما يلزم الصدارة فلا يتقدّم عليها عاملها، وهذه الجملة مقررة لما مر من الإمداد، وموضحة له، والمعنى انظر يا محمد بنظر الاعتبار، كيف فضّلنا بعض العباد على بعض، فيما أمددناهم من العطايا الدنيوية، فمن غني وفقير، وقوي وضعيف، وصحيح ومريض، وعاقل وأحمق، وذلك لحكمة بالغة تقتصر العقول عن إدراكها؛ أي: انظر إلى عطائنا للفريقين في الدنيا كيف فضلنا بعضهم على بعض، فأوصلنا رزقنا إلى مؤمن، وقبضناه عن مؤمن آخر، وأوصلناه إلى كافر، ومنعناه من كافر آخر، ولهذا حكم وأسباب بيَّنها سبحانه بقوله: {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ} وقوله: {نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا} .
{وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ} ؛ أي: ولدرجات الآخرة أكبر، وأعظم من درجات الدنيا؛ فإن درجات الآخرة باقية غير متناهية، ونعم الدنيا فانية متناهية {وَ} للآخرة {وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا} ؛ أي: ولتفاضلهم في الآخرة، وتفاوتهم فيها أكبر من تفاوتهم في الدنيا، فإن منهم من يكون في الدركات السفلى في جهنم مصفّدا بالسلاسل والأغلال، ومنهم من يكون في الدرجات العليا في نعيم وحبور، وكل فريق يتفاوتون فيما بينهم، وقرئ {أكثر} بالثاء المثلثة ففي «الصحيحين» : «إن أهل الدرجات العلى ليرون أهل علّيّين كما ترون الكوكب الغابر في السماء» وفيهما: «إنّ الله تعالى أمدّ لعباده الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» .