وطائر كل إنسان ما يطير له من عمله ، أي ما يقسم له من العمل ، وهو كناية عما يعمله. وإلزامه له في عنقه تصوير للزومه إياه وعدم مفارقته ؛ على طريقة القرآن في تجسيم المعاني وإبرازها في صورة حسية. فعمله لا يتخلف عنه وهو لا يملك التملص منه ، وكذلك التعبير بإخراج كتابه منشوراً يوم القيامة. فهو يصور عمله مكشوفاً ، لا يملك إخفاءه ، أو تجاهله أو المغالطة فيه. ويتجسم هذا المعنى في صورة الكتاب المنشور ، فإذا هو أعمق أثراً في النفس وأشد تأثيراً في الحس ؛ وإذا الخيال البشري يلاحق ذلك الطائر ويلحظ هذا الكتاب في فزع طائر من اليوم العصيب ، الذي تتكشف فيه الخبايا والأسرار ، ولا يحتاج إلى شاهد أو حسيب: اقرأ كتابك.
كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً.
وبذلك الناموس الكوني الدقيق ترتبط قاعدة العمل والجزاء:
{من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى} ..
فهي التبعة الفردية التي تربط كل إنسان بنفسه ؛ إن اهتدى فلها ، وإن ضل فعليها. وما من نفس تحمل وزر أخرى ، وما من أحد يخفف حمل أحد. إنما يسأل كل عن عمله ، ويجزي كل بعمله ولا يسأل حميم حميما..
وقد شاءت رحمة الله ألا يأخذ الإنسان بالآيات الكونية المبثوثة في صفحات الوجود ، وألا يأخذه بعهد الفطرة الذي أخذه على بني آدم في ظهور آبائهم ، إنما يرسل إليهم الرسل منذرين ومذكرين: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} وهي رحمة من الله أن يعذر إلى العباد قبل أن يأخذهم بالعذاب.
كذلك تمضي سنة الله في إهلاك القرى وأخذ أهلها في الدينا ، مرتبطة بذلك الناموس الكوني الذي يصرف الليل والنهار:
{وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً} .