وخص المترفين بذلك لأن نعمة الله عليهم أكثر فكان الشكر عليهم أوجب ، فإذا لم يرجعوا وأصروا صب عليهم البلاء صباً. وزعم الجبائي أن المراد بالإرادة الدنو والمشارفة كقولك إذا أراد المريض أن يموت ازداد مرضه شدة ، وإذا أراد التاجر يريد ان يفتقر أتاه الخسران من كل جهة. ليس المعنى أن المريض يريد أن يموت والتاجر يريد أن يفتقر ، وإنما عنيت أنه سيصير إلى ذلك ، فمعنى الآية وإذا قرب وقت إهلاك قرية. وقد نقلنا مثله عن صاحب الكشاف ، ولا يخفى أنه عدول عن الظاهر. ثم ذكر عادته الجارية مع القرون الخالية فقال: {وكم أهلكنا} ف {كم} مفعول {أهلكنا} و {من القرون} بيان لكم وتمييز له أراد بهم عاداً وثمود ونحوهما. ثم خاطب رسوله بما هو ردع للناس كافة قائلاً {وكفى بربك} الآية. قال الفراء: إنما يجوز إدخال الباء في المرفوع إذا كان يمدح به صاحبه أو يذم كقولك"كفاك به"وأكرم به رجلاً"وطاب بطعامك طعاماً"ولا يقال: قام بأخيك وأنت تريد قام أخوك. وفي الآية بشارة عظيمة لأهل الطاعة وإنذار شديد لغيرهم لأن العلم التام مع القدرة الكاملة والحكمة الشاملة يقتضي إيصال الجزاء إلى كل أحد بقدر استحقاقه. ثم أكد المعاني المذكورة من قوله: {وكل إنسان ألزمناه طائره} ومن قوله: {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه} بقوله: {من كان يريد العاجلة} أي المنفعة أو الدار العاجلة {عجلنا له فيها} ثم قيد المعجل بقيدين: أحدهما قوله: {ما نشاء} ولهذا ترى كثيراً من هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضاً منه. وثانيهما قوله: {لمن نريد} وهو بدل من {له} بدل البعض من الكل لأن الضمير يرجع إلى"من"وهو للمعلوم ، ولهذا ترى كثيراً منهم يتمنون البعض اليسير من الدنيا ولا يؤتون فيجتمع عليهم فقر الدنيا وحرمان الآخرة بل عذابها لقوله: {ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً} مطروداً من رحمة الله. {ومن أراد الآخرة}