وثانيا: ويدور جدل حول ما إذا كان ما قررته الآية من قابلية الإنسان للاهتداء والضلال ومَسْئُوليته عن ذلك وعدم مَسْئُولية أحد عن عمل غيره متناقضا أو غير متناقض مع آيات أخرى فيها تقرير كون الله خالق كل شيء بما في ذلك أفعال الناس وكون ما يقع منهم إنما يقع بمشيئة الله. وهذا الجدل يدور حول كل عبارة مماثلة مما مرّت أمثلة منه. ولقد شرحنا هذا الأمر في المناسبات السابقة بما رأينا أنه الحق إن شاء الله. وإن كان من شيء نزيده هنا هو أن المتبادر من روح الآية ومقامها أنها على سبيل الإنذار والتنبيه ليكون في ذلك رادع وحافز للسامعين وأن الأولى أن تتلقى على هذا الاعتبار وتبقى في نطاقه. ومع ذلك فإن من الممكن أن يقال إن قابلية الإنسان للاهتداء والضلال التي تقررها هذه الآية وأمثالها بصراحة هي من مشيئة الله تعالى المودعة في جبلّته فيزول بذلك وهم التناقض الذي لا يصح أن يفرض بين العبارات القرآنية والله أعلم.
وثالثا: وبين علماء الكلام القدماء جدل على هامش هذه الآية وأمثالها حول ما إذا كان يجب على الله تعالى إرسال الرسل لهداية الناس وما إذا كان يجب على الله تعالى جزاؤهم وفق أعمالهم. وما إذا كان يجب على الله تعالى الأصلح لهم.
ومع أن القرآن قرر في مواضع عديدة مرّت أمثلة منها أن الله عز وجل لم يعذب الناس إلّا بعد أن يرسل إليهم الرسل والمنذرين ويكفروا برسالاتهم وبالله ويبغوا ويفسدوا. وإن عذاب من يعذبهم وثواب من يثيبهم منهم نتيجة لمواقفهم من دعوة رسله ومنذريه هو حق عليه. وأنه ليس بظلام للعبيد. فإننا نرى واجب السملمين اليوم أن يكفوا عن مجاراة علماء الكلام القدماء في ما كانوا يقولونه حينما كانوا يتجادلون مع بعضهم. وأن يكتفوا بما قرره القرآن ويقفوا عنده دون مماحكة ومراء وأن يتذكروا أن الله الحكيم العادل يعامل خلقه بمقتضى هاتين الصفتين وكفى.