فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {بَيْنَا أَنَا بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ.} وَذَكَرَ حَدِيثَ الْإِسْرَاءِ بِطُولِهِ ، إلَى أَنْ قَالَ: {ثُمَّ اسْتَيْقَظْت ، وَأَنَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} .
قُلْنَا: عَنْهُ أَجْوِبَةٌ ؛ مِنْهَا: أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ رَوَاهُ شَرِيكٌ عَنْ أَنَسٍ ، وَكَانَ تَغَيَّرَ بِآخِرَةٍ فَيُعَوَّلُ عَلَى رِوَايَاتِ الْجَمِيعِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِسْرَاءَ رُؤْيَا مَنَامٍ ، وَطَّدَهُ اللَّهُ بِهَا ، ثُمَّ أَرَاهُ إيَّاهَا رُؤْيَا عَيْنٍ ، كَمَا فَعَلَ بِهِ حِينَ أَرَادَ مُشَافَهَتَهُ بِالْوَحْيِ ؛ أَرْسَلَ إلَيْهِ الْمَلَكَ فِي الْمَنَامِ بِنَمَطٍ مِنْ دِيبَاجٍ فِيهِ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك ، وَقَالَ لَهُ: اقْرَأْ.
فَقَالَ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ ، فَغَطَّهُ حَتَّى بَلَغَ مِنْهُ الْجَهْدَ ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ ، فَقَالَ: اقْرَأْ.
قَالَ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ إلَى آخَرِ الْحَدِيثِ.
فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ جَاءَهُ الْمَلَكُ فِي الْيَقِظَةِ بِمِثْلِ مَا أَرَادَهُ فِي الْمَنَامِ.
وَكَانَتْ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ أَرَاهُ اللَّهُ فِي الْمَنَامِ مَا أَرَاهُ مِنْ ذَلِكَ تَوْطِيدًا وَتَثْبِيتًا لِنَفْسِهِ ، حَتَّى لَا يَأْتِيَهُ الْحَالُ فَجْأَةً ، فَتُقَاسِي نَفْسُهُ
الْكَرِيمَةَ مِنْهَا شِدَّةً ، لِعَجْزِ الْقُوَى الْآدَمِيَّةِ عَنْ مُبَاشَرَةِ الْهَيْئَةِ الْمَلَكِيَّةِ.