ثم قال تعالى: {كُلاَّ} أي كل واحد من الفريقين ، والتنوين عوض من المضاف إليه: {نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبّكَ} أي أنه تعالى يمد الفريقين بالأموال ويوسع عليهما في الرزق مثل الأموال والأولاد ، وغيرهما من أسباب العز والزينة في الدنيا ، لأن عطاءنا ليس يضيق عن أحد مؤمناً كان أو كافراً لأن الكل مخلوقون في دار العمل ، فوجب إزاحة العذر وإزالة العلة عن الكل وإيصال متاع الدنيا إلى الكل على القدر الذي يقتضيه الصلاح فبين تعالى أن عطاءه ليس بمحظور ، أي غير ممنوع يقال حظره يحظره ، وكل من حال بينه وبين شيء فقد حظره عليك.
ثم قال تعالى: {انظر كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ} وفيه قولان:
القول الأول: المعنى: انظر إلى عطائنا المباح إلى الفريقين في الدنيا ، كيف فضلنا بعضهم على بعض فأوصلناه إلى مؤمن.
وقبضناه عن مؤمن آخر ، وأوصلناه إلى كافر ، وقبضناه عن كافر آخر ، وقد بين تعالى وجه الحكمة في هذا التفاوت فقال: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِى الحياة الدنيا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ درجات لّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً} [الزخرف: 32] وقال في آخر سورة الأنعام: {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ درجات لّيَبْلُوَكُمْ فِيمَا ءاتاكم} [الأنعام: 165] .
ثم قال: {وَلَلأَخِرَةُ أَكْبَرُ درجات وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} والمعنى: أن تفاضل الخلق في درجات منافع الدنيا محسوس ، فتفاضلهم في درجات منافع الآخرة أكبر وأعظم ، فإن نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا ، فإذا كان الإنسان تشتد رغبته في طلب فضيلة الدنيا فبأن تقوى رغبته في طلب فضيلة الآخرة أولى.