وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَيْضًا إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: جَعَلْنَاهُمْ أُمَرَاءَ فَفَسَقُوا فِيهَا؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: هُوَ أَمِيرٌ غَيْرُ مَأْمُورٍ. وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ: قَدْ يَتَوَجَّهُ مَعْنَاهُ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ إِلَى مَعْنَى أَكْثَرْنَا مُتْرَفِيهَا، وَيُحْتَجُّ لِتَصْحِيحِهِ ذَلِكَ بِالْخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «خَيْرُ الْمَالِ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ أَوْ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ» وَيَقُولُ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: مَأْمُورَةٌ: كَثِيرَةُ النَّسْلِ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ يُنْكِرُ ذَلِكَ مِنْ قِيلِهِ، وَلَا يُجِيزُنَا أَمَرْنَا، بِمَعْنَى أَكْثَرْنَا إِلَّا بِمَدِّ الْأَلِفِ مِنْ أَمَرْنَا. وَيَقُولُ فِي قَوْلِهِ «مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ» : إِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ عَلَى الِاتِّبَاعِ لِمَجِيءِ مَأْبُورَةٌ بَعْدَهَا، كَمَا قِيلَ: «ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ» فَهَمَزَ مَأْزُورَاتٍ لِهَمْزِ مَأْجُورَاتٍ، وَهِيَ مِنْ وَزَرْتُ إِتْبَاعًا لِبَعْضِ الْكَلَامِ بَعْضًا.
وَقَرَأَ ذَلِكَ أَبُو عُثْمَانَ «أَمَّرْنَا» بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ، بِمَعْنَى الْإِمَارَةِ.
وَقَدْ تَأَوَّلَ هَذَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا}
يَقُولُ: سَلَّطْنَا أَشْرَارَهَا فَعَصَوْا فِيهَا، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ أَهْلَكْتُهُمْ بِالْعَذَابِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا}
وَذُكِرَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ (آمَرْنَا) بِمَدِّ الْأَلِفِ مِنْ أَمَرْنَا، بِمَعْنَى: أَكْثَرْنَا فَسَقَتَهَا.
وَقَدْ وَجَّهَ تَأْوِيلَ هَذَا الْحَرْفِ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، إِلَّا أَنَّ الَّذِينَ حَدَّثُونَا لَمْ يُمَيِّزُوا لَنَا اخْتِلَافَ الْقِرَاءَاتِ فِي ذَلِكَ، وَكَيْفَ قَرَأَ ذَلِكَ الْمُتَأَوِّلُونَ، إِلَّا الْقَلِيلَ مِنْهُمْ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلِهِ: «آمَرْنَا مُتْرَفِيهَا» يَقُولُ: أَكْثَرْنَا عَدَدَهُمْ.