وأما على القول بأن المراد بطائره نصيبه الذي طار له في الأزل من الشقاوة أو السعادة - فالآيات الدالة على ذلك أيضاً كثيرة ، كقوله: {هُوَ الذي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ} [التغابن: 2] ، وقوله: {ولذلك خَلَقَهُم} [هود: 119] أي للاختلاف إلى شقي وسعيد خلقهم. وقوله: {فَرِيقاً هدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضلالة} [الأعراف: 30] ، وقوله: {فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير} [الشورى: 7] ، إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {في عنقه} أي جعلنا عمله أو ما سبق من شقاوة في عنقه. أي لازماً له لزوم القلادة أو الغل لا ينفك عنه. ومنه قول العرب: تقلدها طوق الحمامة. وقولهم: الموت في الرقاب. وهذا الأمر ربقة في رقبته. ومنه قول الشاعر:
اذهب بها اذهب بها... طوقتها طوق الحمامه
فالمعنى في ذلك كله: اللزوم وعدم الانفكاك.
وقوله جلًّ وعلا في هذه الآية الكريمة: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً} ذكر جلَّ زعلا في هذه الآية الكريمة: أن ذلك العلمل الذي ألزم الإنسان إياه يخرجه له يوم القيامة مكتوباً ي كتاب يلقاه منشوراً ، أي مفتوحاً يقرؤه هو وغيره.
وبين أشياء من صفات هذا الكتاب الذي يلقاه منشوراً في آيات أخر. فبين أن من صفاته: ان المجرمين مشفقون أي خائفون مما فيه ، وأنه لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، وأنهم يجدون فيه جميع ما عملوا حاضراً ليس منه شيء غائباً ، وأن الله جلَّ وعلا لا يظلمهم في الجزاء عليه شيئاً.
وذلك في قوله جلَّ وعلا: {وَوُضِعَ الكتاب فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا ويلتنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ ُصَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} [الكهف: 49] .