ثم أخبر عن باغي الفتنة بقوله تعالى: {لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ} [التوبة: 48] إلى قوله: {إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ} [التوبة: 52] ، {لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ} يشير إلى صفات النفس اتبعت فتنة شهوة المأكول والمشروب ومستلذات النفوس ومستحسنات الهوى من قبل، {وَقَلَّبُواْ لَكَ} [التوبة: 48] يا روح، {الأُمُورَ} [التوبة: 48] وهي الأمور الروحانية، وحسن الاستعداد في طلب السعادات الأخروية، واستكمال الإنسانية إلى أوان البلوغ، {حَتَّى جَآءَ الْحَقُّ} [التوبة: 48] وهو العقل القابل لأوامر الشرع، {وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ} [التوبة: 48] وهو أمر الدعوة إلى الحق، {وَهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة: 48] يعني: على كره من النفس وصفاتها.
{وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائْذَنْ لِّي} [التوبة: 49] وهو الهوى يستأذن الروح بأن يكون له مدخل في جميع مشارعه الدنيوية؛ لتكون مشوبة بالهوى بقوله: {وَلاَ تَفْتِنِّي} [التوبة: 49] يشير إلى أن الروح كلما يدعو الهوى إلى استعمال في المنازل الروحانية والمواهب فإن الهوى مركب المحبة يقول: لا تعتني بتلك المعارف ولا تقيدوني بتلك العوارف، وذلك منه اعتلال لدفع الصعود على العلويات؛ لأن طبعه الهبوط.
{أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ} [التوبة: 49] يعني: اعتلاله لدفع الصعود هو عين فتنة الهبوط، {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} [التوبة: 49] يعني: جهنم البعد والقطيعة من لوازم الكفار النفس وصفاتها، {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ} [التوبة: 50] يا روح من عواطف الحق وإحسانه، {تَسُؤْهُمْ} [التوبة: 50] تحزن النفس وصفاتها؛ لأن بها تظفر الروح عليها، {وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ} [التوبة: 50] من المواقع والقواطع عن السير.