{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} [التوبة: 34] وهم الذي يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ حرصاً وطمعاً في الاستمتاع من حظوظ النفوس، {وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 34] ليقطعوا مسافة البعد عن الله تعالى بقدمي ترك الدنيا وقمع الهوى، {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34] وهو عذاب البعد والقطيعة.
{يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا} [التوبة: 35] أي: على ما لم ينفقوه في طلب الحق، {فِي نَارِ جَهَنَّمَ} [التوبة: 35] أي: يحمي نار جهنم الحرص، {فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ} [التوبة: 35] أي: جباه القلوب والأرواح؛ لأنها تتوجه للحق وطلبه، {وَجُنوبُهُمْ} [التوبة: 35] أي: لئلا تتجافى عن المضاجع المكونات، يدعون ربهم خوفاً من القطيعة، وطمعاً في الوصول إلى عالم الحقيقة، {وَظُهُورُهُمْ} [التوبة: 35] أي: لئلا تركع وتتواضع لله تعالى.
{هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ} [التوبة: 35] أي: يقال هذا الذي أصابكم من الحرمان، وكثرة الهجران ما خصكم وأخرتم بخسران أنفسكم، {فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 35] أي: الآن في الآخرة، فذوقوا من ألم الحرمان والخسران الحاصل في الدنيا من كي نار الحرص ولم تكونوا تذوقوا؛ لأنكم كنتم في منام الغفلة عن الآخرة، والنائم لا يذوق ألم الكي في النوم، وإنما يذوقوه عند الانتباه"الناس نيام فإذا ماتوا انتهبوا".
ثم أخبر عن عدة الشهور التي وجبت فيها الزكاة على الجمهور بقوله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ} [التوبة: 36] أي: إن تقدير عدة الشهور عند الله في الأزل اثنا عشر، {شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ} [التوبة: 36] في علم الله، {يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} [التوبة: 36] يعني: اقتضت الحكمة الإلهية الأزلية أن يكون من الشهور.