ثم أخبر عن حال النفوس الملهمة بقوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: 30] إلى قوله: {وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33] ، {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: 30] يشير إلى تهود النفس، وعزير القلب، وذلك لأن النفس خلقت من ملكوت العناصر الأربعة، وهي ظلمانية سفلية محجوبة عن الله تعالى، وهي ظلومة جهولة، والقلب خلق من الملكوت الأعلى، ولهذا الستر هو بين أصبعين من أصابع الرحمن أي: بين صفتي اللطف والقهر والجمال والجلال، وهو نوراني علوي ومهبط أنوار الحق ومورد الواردات والمواهب الربانية ومعدن اللدنية ومظهر صفات اللطف والقهر ومنح علم.
{وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَآءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31] انعكس من مرآة القلب آثار أنوار الواردات والمعارف الصادرة عن الحضرة على النفس المظلمة نورت وألهمت عن القلب بتلك المعارف والعلوم التي هي بمعزل عنها تقول القلب ابن الله كما قالت اليهود لمَّا سمعت، والعلوم التي هي بمعزل عنها عزير ابن الله.
{وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: 30] يشير بالنصارى إلى القلب الغلف الذي هو ممكن مرض حب الدنيا ونعيمها، وبالمسيح إلى الروح المشرف باختصاص إضافة من روح المفرز بنفحة الحق، وذلك الروح ربما يتجلى للقلب في صفة الربوبية والخلافة مقترباً بتجلي صفاة إبداع الحق، ومبدعية الروح مع كمال قربه واختصاصه بالحق عند بقاء تصرف الخيال فيتخيل القلب نسبة الأبوة والنبوة بين الله والعبد؛ إذ النبوة أخص التعلقات بالوالد، وإذا كوشف العبد بهذا الابتلاء ينسب الروح بأنها إنزال الله، ولهذا السر أزال الحق سبحانه وتعالى هذه الشبهة مع سورة الإخلاص بقوله: {لَمْ يَلِدْ} [الإخلاص: 3] .