قال بعضهم توبة النبي صلى الله عليه وسلم هي مقدمة توبة الامة ليصح بالمقدمة التوابع من توبة التائبين وقال بعضهم توبة الأنبياء لمشاهدة الخلق في وقت الابلاغ إذ الأنبياء لا يغيبون عن الحضرة بل لا يحضرون في مواضع الغيبة لأنهم في عين الجمع أبدا ثم خص الثلاثة الذين غرقوا في بحار الامتحان برجوعه عليهم بقبول توبتهم بقوله {وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} انبسطت عرصات قلوبهم لتراكم غيوم القبض وتتابع على أسرارهم أنوار العظمة فابرزت الأرض من عظائم برحاء مواجيدهم وتراكم حقائق همومهم فلا يبقى ذرة من الأرض إلا واستغرقت في بحار أنفاسهم الملكوتية واحترقت بنيران افئدتهم الجبروتية وما راوا على وجه الأرض ما يستانسون به غير الله ثم وصف نفوسهم بفناءها في اثار قلوبهم بقوله {وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ} ضاقت نفوسهم من حمل وارد الغيب عليهم وعن اثقال أرواحهم التي هي مطايا أسرار الألوهية ولطائف كنوز الربوبية وفنوا تحت سلطان كبريائه ودخلوا تحت اكناف لطفه من عزائم قهره بقوله {وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ} عرفوا موضع الفرار منه إليه فقطعوا لاوسائط وخاضوا في بحار القهر بسفن اللطف فلما رآهم منفردين من دونه اقبل إليهم بنوادر لطفه ليقبلهم من الكون إلى وجهه بقوله {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ} رفع حجاب الحشمة من البين ليدخلوا الحضرة بوصف الإنس اشتاب إليهم فشوقهم إليه ثم وصف نفسه بانه قابل التوبة في الأزل رحيم عن من رجع إليه بان أمنه بعد خونه وقربه بعد بعده قال أبو عثمان من رجع إلى الله والى سبيله فليكن صفته هذه الآية تضيق عليه الأرض حتى لا يجد فيها لقدمه موضع قرار إلا وهو خائف ان الله ينتقم منه فيها ويضيق عليه أحوال نفسه فينتظر الهلاك مع كل نفس هذه اوايل دلايل التوبة النصوح ولا يكون له ملجأ ولا معاد ولا رجوع إلا إلى الله بانقطاع قلبه عن كل سبب قال الله وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض وقيل في قوله وظنوا ان لا ملجأ من الله إلا إليه لن يعتمدوا حبيبا ولا خليلا ولا كليماً بل قلوبهم