101 -وفي قوله: {لا تَعْلَمُهُمْ} دلالة أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ما كان يعلمهم بأعيانهم علما مقطوعا به لكن بغلبة الظّنّ ولهذا قال: {وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ} [محمّد:30] .
{سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ:} في الدّنيا مرّة وفي القبر مرّة. أبو مطيع عن أبي حنيفة رحمه الله: من قال: لا أعرف عذاب القبر فهو من الطّبقة الخبيثة الجهميّة الهالكة؛ لأنّه أنكر قوله:
{سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ،} وقوله: {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ} [الطّور:47] ، فإن قال: أؤمن بالآية ولا أؤمن بتأويلها وتفسيرها، فهو كافر؛ لأنّ من القرآن ما تأويله تنزيله.
102 - {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا:} قال الكلبيّ: نزلت في ثلاثة: أبي لبابة وأوس بن ثعلبة ووديعة بن حزام، وعن الضّحّاك وقتادة أنّهم كانوا سبعة، وعن زيد بن أسلم كانوا ثمانية، وعن ابن عبّاس كانوا عشرة فشدّ منهم سبعة أنفسهم على السّواري، قيل:
وحلف أبو لبابة أن لا يحلّ نفسه حتى يحلّه رسول الله فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فحلف أن لا يحلّه حتى يأمر الله بأمره فيه. قيل: وكان أوّل أمر أبي لبابة أنّه خاصم يتيما إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في عذق فقضى له به، ثمّ تشفّع إليه ليعطيه اليتيم فأبى، فقال: أعطه إيّاه ولك مثله في الجنّة فأبى، فانطلق إليه أبو الدّحداح واشتراه منه بحديقة له ثمّ أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم [وقال] : أرأيت إن أعطه اليتيم ألي مثله في الجنّة؟ قال: نعم، فأعطاه اليتيم، فكان صلّى الله عليه وسلّم يقول: كم من عذق مذلل في الجنّة لأبي الدّحداح. ثمّ إنّ أبا لبابة أدركه شؤم هذه المعصية فخان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين استنزل بني قريظة وأشار إلى حلقه يخوّفهم بالذّبح، ثمّ تخلّف عن غزوة تبوك، ثمّ ألقى الله في قلبه التّوبة والنّدم فشدّ نفسه بالسّارية فبقي كذلك سبعة أيّام حتى غشي عليه، فأنزل الله فيه وفي أصحابه الآية.
{خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً:} كقولك: خلطت الماء واللّبن، ولو قلت:
خلطت الماء باللّبن، لجاز أيضا.