لقد كان الله سبحانه يعلم أن هذا هو المنهج القويم لتربية الجماعة الأولى وتكوين القاعدة الصلبة لهذه العقيدة . وأنه بدون هذه المحنة الطويلة لاتصلب الأعواد ولاتثبت للضغوط ; وأن هذه الدرجة من الصلابة والخلوص والتجرد والإصرار والمضي في سبيل الله على الأذى والعذاب والقتل والتنكيل والتشريد والتجويع , وقلة العدد , وانعدام النصير الأرضي ... إن هذه الدرجة هي وحدها التي تصلح للقاعدة الأصيلة الثابتة عند نقطة الانطلاق الأولى . .
إن هذه القاعدة الصلبة من المهاجرين الأوائل هي التي انضم إليها السابقون من الأنصار , ليكونوا القاعدة في المدينة - قبل بدر - وليكونوا هم الحراس الأقوياء الأشداء في فترة التخلخل التي أعقبت النصر في بدر , بالتوسع الأفقي الذي جاء بأعداد جديدة لم تنضج بعد , ولم تتناسق مع القاعدة في مستواها الإيماني والتنظيمي .
وأخيراً فإن القاعدة الصلبة التي اتسعت أبعادها قبيل الفتح , حتى صارت تتمثل في المجتمع المدني بجملته , هي التي حرست الإسلام وصانته من الهزات بعد الفتح ثم من الهزة الكبرى بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وارتداد الجزيرة عن الإسلام .
إن هذه الحقيقة - كما أنها ترينا تدبير الله الحكيم في المحنة الطويلة التي تعرضت لها الدعوة في مكة ; وفي الأهوال والمشاق والأخطار التي تعرض لها المجتمع المسلم في المدينة حتى الحديبية - هي كذلك تكشف لنا عن طبيعة المنهج الحركي للدعوة الإسلامية المتجددة في أي زمان وفي أي مكان .