ابن عرفة: هذا كما تقدم في أول السورة، في قوله تعالى: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) فقيل له: كيف تعمل في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) طريق الحق متعددة، فقال: نعم ولكنها مآلها إلى شي واحد وهو التوحيد بالله والتصديق بأنبيائه، وطرق الباطل كل واحد منها مستقل بنفسه لا يؤول إلى شيء واحد؛ لأن قوما يعبدون النجوم، وآخرون يعبدون الأصنام، وآخرون يعبدون الربوبية.
قوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154) }
دليل على أن المعاد مستفاد من السمع؛ لأن الإيمان هو التصديق، والتصديق على أنه مصدق به وهو الدليل السمعي الخبري لَا العقلي.
قوله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ ... (155) }
قال ابن عرفة: لما تضمن الكلام السابق تفضيل بني إسرائيل بإرسال موسى إليهم، وتفضيل موسى بالكتاب المنزل عليه؛ عقبه ببيان تفضيل هذه الأمة بإرسال محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم إليهم وأنزل القرآن عليه، وظاهر كلام المفسرين أن الإشارة إلى جميع القرآن وليست الآية من آخر ما أنزل، فيكون كقول سيبويه: هذا باب كذا فهو إشارة إلى المستقبل المقدر الوجود، كقول الموثقين: هذا ما أصدق فلان.
قوله تعالى: (فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا) .
يحتمل أن يرجع اتبعوه إلى امتثال أوامره، (وَاتَّقُوا) إلى اجتناب مناهيه، ويحتمل أن يكون الأمر بالاتباع عاما في امتثال أوامره واجتناب نواهيه، واتقوا راجعة إلى التحرز من عقاب الله عند عدم امتثال أمره ونهيه.
قوله تعالى: {أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا ... (156) }
أي: أنزلنا القرآن عليكم لئلا تقولوا: أنزلنا الكتاب على موسى ولم ينزل علينا ولا قرأه علينا أحد من الطائفة المنزل عليهم بحيث نسمعه، والكتاب هنا واحد بالنوع فيتناول هنا اليهود والنصارى.
قوله تعالى: {فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ... (157) }