(2) قوله تعالى:"قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق"إلى آخر الآية هذه الآية والتي تتلوها جواب المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام عما سئل عنه وقد أتى عليه السلام فيه بأدب عجيب: فبدأ بتسبيحه تعالى لما فاجأه أن سمع ذكر ما لا يليق نسبته إلى ساحة الجلال والعظمة وهو اتخاذ الناس إلهين من دون الله شريكين له سبحانه فمن أدب العبودية أن يسبح العبد ربه إذا سمع ما لا ينبغى أن يسمع فيه تعالى أو ما يخطر بالبال تصور ذلك ، وعليه جرى التأديب الإلهى في كلامه كقوله:"وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه" (الأنبياء: 26) وقوله:"ويجعلون لله البنات سبحانه" (النحل: 57) .
ثم عاد إلى نفى ما استفهم عن انتسابه إليه ، وهو أن يكون قد قال للناس اتخذوني وأمى إلهين من دون الله ، ولم ينفه بنفسه بل بنفى سببه مبالغة في التنزيه فلو قال:"لم أقل ذلك أو لم أفعل لكان فيه إيماء إلى إمكان وقوعه منه لكنه لم يفعل ، لكن إذا نفاه بنفى سببه فقال:"ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق"كان ذلك نفيا لما يتوقف عليه ذلك القول ، وهو أن يكون له أن يقول ذلك حقا فنفى هذا الحق نفى ما يتفرع عليه بنحو أبلغ نظير ما إذ قال المولى لعبده: لم فعلت ما لم آمرك أن تفعله ؟ فإن أجاب العبد بقوله:"لم أفعل"كان نفيا لما هو في مظنة الوقوع ، وإن قال:"إنا أعجز من ذلك"كان نفيا بنفى السبب وهو القدرة ، وإنكارا لاصل إمكانه فضلا عن الوقوع."
وقوله:"ما يكون لي إن أقول ما ليس لي بحق"إن كان لفظ"يكون"ناقصة فاسمها قوله:"أن أقول"وخبرها قوله:"لي"واللام للملك ، والمعنى: ما أملك ما لم أملكه وليس من حقى القول بغير حق ، وإن كانت تامة فلفظ"لي"متعلق بها وقوله:"أن أقول ، الخ"فاعلها ، والمعنى: ما يقع لي القول بغير حق ، والأول من الوجهين أقرب ، وعلى أي حال يفيد الكلام نفى الفعل بنفى سببه .