وحينما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لينساح بالدعوة في أرض الله صحب معه الكثير من الرجال الذين لم يكونوا في حاجة إلى التدريب على أعمال الحرب ، فقد كان كل الناس تقريباً جاهزين للقتال . وكأن الله سبحانه أراد للإسلام أن ينهي الثأر بين القبائل ، وأن يستفيد الإسلام من استعداد كل عربي للقتال . واستفاد الإسلام أيضاً من أن أمة العرب كانت - غالباً - متبدية ؛ بيت كل إنسان منهم على ظهر البعير ، يشد رحاله ، وينصب خيمته وينام ؛ لأن الناس إنما ارتبطوا بالأوطان عندما بنوا المنازل ، فمن بنى لنفسه بيتاً في مكان ما فهو يشتاق إلى ما بناه .
وكأن الحق قد أعدهم للانسياح بكلمة الله في الأرض فلا يحزن لترك مكان إلى مكان آخر ، بل إن الشخص منهم كان يذهب إلى البلاد ويتوطن فيها ليؤصل الوجود الإسلامي . فكان كل واحد منهم نواة الخير للأمم التي انساحوا إليها ؛ فمن ذهب منهم إلى الشام توطن فيها ولم يصعب عليه فراق الجزيرة . وكذلك من ذهب إلى مصر وغيرها من البلدان .
إذن فقد أراد الحق بحرمة الأشهر الحرم والبيت الحرام أن يرتاح العرب من القتال بدلاً من أن تهلك الحربُ الحرثَ والنسلَ ، وأراد الحق ذلك قياماً للناس ، واستبقاء للنوع .
وكذلك حرم الله: {والهدي والقلائد} والهدي هو الذي يُهْدَى للحرم فيأكله الناس هناك ، ذلك لأن الحرم موجود بوادٍ غير ذي زرع . والهدي هو البهيمة التي يتطوع بها أي إنسان ويضع حول عنقها قلادة من لحِاء وقشر الشجر أو غير ذلك ، وعندما يرى الناس القلادة يعرفون أن تلك البهيمة مهداة للحرم فلا يقربها أحد حتى صاحبها وإن قرصه وعضه الجوع ، وفي ذلك قيام للناس .