هذا وجمهور العلماء على أن المحرم يتكرر الجزاء عليه في قتل الصيد بتكرر القتل وأن عقوبة الآخرة - وهي انتقام الله من الجاني - لا تمنع وجوب الجزاء عليه في الدنيا.
قال ابن كثير. ثم الجمهور من السلف والخلف على أنه متى قتل المحرم الصيد وجب الجزاء ولا فرق بين الأولى والثانية والثالثة وإن تكرر ما تكرر سواء الخطأ في ذلك والعمد.
وقال على بن طلحة عن ابن عباس قال: من قتل شيئا من الصيد خطأ وهو محرم يحكم عليه فيه كلما قتله. فإن قتله عمدا يحكم عليه فيه مرة واحدة. فإن عاد يقال له ينتقم الله منك».
وبذلك نرى الآية الكريمة قد حذرت المؤمنين من التعرض للصيد في حالة إحرامهم، وبينت الجزاء المترتب على من يفعل ذلك، وهددت من يستهين بحدود الله بالعذاب الشديد.
ثم بين - سبحانه - ما أحله للمحرم وما حرمه عليه مما يتعلق بالصيد فقال - تعالى -:
[سورة المائدة (5) : آية 96]
(أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(96)
والمراد بصيد البحر: ما توالده ومثواه في الماء. والمراد بالبحر: ما يشمل جميع المياه العذبة والملحة سواء أكانت أنهارا أم غدرانا أم غيرهما.
والمراد بالصيد: الاصطياد أو ما يصاد منه.
والمراد بطعامه: ما يطعم من صيده. وهو عطف على صَيْدُ من عطف الخاص على العام، ويكون الحل الواقع على الصيد المقصود به حل الانتفاع مطلقا ثم عطف عليه ما يفيد حل الأكل خاصة من باب إظهار الامتنان بالإنعام بما هو قوام الحياة وهو الأكل فإن صيد البحر قد يقصد لمنافع أخرى غير الأكل، كالانتفاع بزيت بعض أنواع المصيد منه.
ويرى ابن أبى ليلى أن المراد بالصيد والطعام المعنى المصدري، وقدر مضافا في صيد البحر، وجعل الضمير في طَعامُهُ يعود إليه لا إلى البحر، فيكون المعنى:
أحل لكم صيد حيوان البحر كما أحل لكم أن تأكلوا ما صدتموه منه. فهو يرى حل الأكل من جميع حيوانات البحر.