والمعنى: أن الله سبحانه وتعالى أوجب على قاتل الصيد في الإحرام أو في الحرم أحد هذه الأشياء الثلاثة التي كل واحد منها ثقيل على النفس، حتى يحترز عن قتل الصيد في الحرم، أو في حال الإحرام. {عَفَا اللَّهُ} سبحانه وتعالى وسامح لكم {عَمَّا سَلَفَ} وسبق منكم قبل هذا النهي والتحريم من قتل الصيد في الإحرام أو في الحرم {وَمَنْ عَادَ} ورجع إلى قتل الصيد بعد هذا النهي والتحريم، أو المعنى: ومن قتل الصيد وهو محرم بعد ورود هذا النهي وهو عالم بهذا النهي {فـ} ـإنه {ينتقم الله منه} ؛ أي: يعاقبه في الآخرة عقوبة شديدة مع لزوم الكفارة له في الدنيا.
وقال ابن كثير: ثم الجمهور من السلف والخلف على أنه متى قتل المحرم الصيد .. وجب الجزاء، ولا فرق بين الأولى والثانية والثالثة، وإن تكرر ما تكرر سواء الخطأ في ذلك والعمد. وحكى علي ابن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: مَن قتل شيئًا من الصيد خطأً وهو محرم .. يحكم عليه فيه كلما قتله، وإن قتله عمدًا .. يحكم عليه فيه مرة واحدة، فإن عاد يقال له: ينتقم الله منك كما قال الله - عز وجل - . انتهى.
{وَاللَّهُ} سبحانه وتعالى {عَزِيزٌ} ؛ أي: غالب على أمره فلا يغلبه العاصي {ذُو انْتِقَامٍ} ؛ أي: صاحب عقوبة شديدة لمن عصاه. وقال ابن جرير: في قوله {وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} يقول الله جلَّ ذكره: والله منيع في سلطانه لا يقهره قاهر، ولا يمنعه من الانتقام ممن انتقم منه، ولا من عقوبة من أراد عقوبته مانع؛ لأن الخلق خلقه والأمر أمره، له العزة والمنعة. وقوله: {ذُو انْتِقَامٍ} يعني: أنه ذو معاقبة لمن عصاه على معصيته إياه.
والآية صريحة: في أنَّ الجزاء الدنيوي إنما يمنع عقاب الآخرة إذا لم يتكرر الذنب، فإن تكرر .. استحق صاحبه الجزاء في الدنيا، والعقاب في الآخرة.
مسألة:
فإن قلتَ: إن العفو فرع المعصية، وهي تحصل باشتغال المحرم بقتل الصيد بعد نزول آية التحريم، فما معنى العفو عن قتل الصيد قبل تحريمه المفهوم من قوله: {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ} ؟
قلتُ: إن المراد بالعفو هنا مجرد عدم المؤاخذة على ما سلف، فلا يرد السؤال المذكور، أفاده الكرخي.