وَتَعَلَّقَ مَنْ خَصَّ بِأَنَّ قَوْلَهُ: {لَيَبْلُوَنَّكُمْ} يَقْتَضِي أَنَّهُمْ الْمُحْرِمُونَ ، فَإِنَّ تَكْلِيفَ الِامْتِنَاعِ الَّذِي يَتَحَقَّقُ بِهِ الِابْتِلَاءُ هُوَ مَعَ الْإِحْرَامِ.
وَهَذَا لَا يَلْزَمُ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: {لَيَبْلُوَنَّكُمْ} الَّذِي يَقْتَضِي التَّكْلِيفَ يَتَحَقَّقُ فِي الْمُحِلِّ بِمَا شُرِطَ لَهُ مِنْ أُمُورِ الصَّيْدِ ، وَمَا شُرِعَ لَهُ مِنْ وَظِيفَةٍ فِي كَيْفِيَّةِ الِاصْطِيَادِ ، وَالتَّكْلِيفُ كُلُّهُ ابْتِلَاءٌ وَإِنْ تَفَاضَلَ فِي الْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ ، وَتَبَايَنَ فِي الضَّعْفِ وَالشِّدَّةِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ قَوْمٌ: الْأَصْلُ فِي الصَّيْدِ التَّحْرِيمُ ، وَالْإِبَاحَةُ فَرْعُهُ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ ، وَهَذَا يَنْعَكِسُ فَيُقَالُ: الْأَصْلُ فِي الصَّيْدِ الْإِبَاحَةُ وَالتَّحْرِيمُ فَرْعُهُ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ ، وَلَا دَلِيلَ يُرَجَّحُ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ بِهِ.
وَنَحْنُ نَقُولُ: لَا أَصْلَ فِي شَيْءٍ إلَّا مَا أَصَّلَهُ الشَّرْعُ بِتِبْيَانِ حُكْمِهِ وَإِيضَاحِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ مِنْ حِلٍّ أَوْ تَحْرِيمٍ ، وَوُجُوبٍ أَوْ نَدْبٍ أَوْ كَرَاهِيَةٍ ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْأَكْلِ لِمَا أَكَلَهُ الْكَلْبُ مِنْ الصَّيْدِ ، حَتَّى قِيلَ الْأَصْلُ فِي الصَّيْدِ التَّحْرِيمُ.
وَإِذَا أَكَلَ الْكَلْبُ مِنْ الصَّيْدِ فَهُوَ مَشْكُوكٌ فِيهِ.
وَقُلْنَا: إنَّ الْأَصْلَ فِي الصَّيْدِ الْإِبَاحَةُ فَلَا يُحَرِّمُهُ أَكْلُ الْكَلْبِ مِنْهُ إلَّا بِدَلِيلٍ.
ثُمَّ ذَكَرْنَا التَّعَارُضَ فِيهِ وَالِانْفِصَالَ عَنْهُ ، فَلْيُنْظَرْ فِي مَوْضِعِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَوْله تَعَالَى: {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} بَيَانٌ لِحُكْمِ صِغَارِ الصَّيْدِ وَكِبَارِهِ.