قال أبو عبيد: كل من صُرِف عن الحق إلى الباطل، وأميل عن القصد فقد فُتِن. ومنه قوله تعالى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ} [الإسراء: 73] .
وقال قطرب: واحذرهم أن يستزلوك.
قال ابن الأنباري: وقولهم: فتنت فلانةٌ فلانًا، قال بعضهم: أمالته القصد. والفتنة معناها في كلامهم المميلة عن الحق والقصد.
وقال النضر في قوله - صلى الله عليه وسلم -:"أعوذ بك من فتنة المحيا". هو أن يعدل عن الطريق.
قال مقاتل: إن رؤساء اليهود قال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى محمد، لعلنا نفتنه ونرده عما هو عليه، فإنما هو بشر. فأتوه وقالوا له: قد علمت أنا إن اتبعناك اتبعك الناس، وإن لنا خصومة فاقض لنا على خصومنا إذا تحاكمنا إليك، ونحن نؤمن بك ونصدقك. فأبى ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأنزل الله هذه الآية.
فمعنى فتنتهم (إياه) عن بعض ما أنزل الله إضلالهم إياه وإمالته عن ذلك إلى ما يهوون من الأحكام، إطماعًا منهم في الاستمالة إلى الإسلام في قول مقاتل وابن عباس وغيرهما.
قال أهل العلم: هذه الآية تدل على أن الخطأ والنسيان جائز على الرسل؛ لأن الله تعالى قال: {وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} والتعمد في مثل هذا غير موهوم على رسول الله، فتحقيق تكليف الحذر عائد إلى النسيان والخطأ.
وقوله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا} . قال ابن عباس: يريد إن لم يقبلوا منك. وقال مقاتل: أبوا حكمك.
وقوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} . قال ابن عباس: يريد أن يبتليهم، ويسلطك عليهم.
وقال مقاتل: أي: يعذبهم في الدنيا بالقتل والجلاء.