و"الفاء"في قوله تعالى: (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ) هي للإفصاح، والمعنى: إذا كان الكتاب قائما وثابتا، ونفذه السلف والخلف إلى ما بعد عصر النبيين، فلا تخشوا الناس، والتعبير عن خوف الناس وملامتهم بالخشية من قبيل المشاكله اللفظية، في مقابل قوله تعالى: (وَاخْشَوْن) . أي أن الله تعالى هو وحده الجدير بأن يخشى، كما قال تعالى: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ) .
والخطاب موجه إلى اليهود المعاصرين للنبي - صلى الله عليه وسلم -وعلمائهم، وفي الكلام يكون التفات إذ انتقل الكلام من أخبار الأخيار منهم إلى خطابهم، والمعنى: لا تخافوا ملامة الناس ولكن اخشوا الله تعالى وحده، فلا تمالئوا الأقوياء وتركنوا إليهم، بل اجعلوهم جميعا سواء مع غيرهم من الضعفاء كما كان يفعل النبيون والربانيون، الذين اقتفوا أثر النبيين ويكون معنى (وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا) لا تستبدلوا بأحكام آياتي، فتتركوها هاجرين لها معرضين عنها، في نظير رشوة أو ممالأة، فإن ما يكون ثمنا لترك الآيات قليل مهما يكن مقداره، ومهما يكن اعتباره، فآيات الله تعالى أغلى ما في الوجود؛ لأنها هدايته.
ولكن الخطاب"لا تخشوا"، و"اخشوا"ربما يكون أعلى من أن يكون لليهود الذين عاصروا النبي عليه الصلاة والسلام فقد وصفهم الله تعالى بأنهم سماعون للكذب أكَّالون للسحت، ولذلك أحيلُ إلى ما روي عن الحسن البصري من أن الخطاب للمؤمنين، فهم الجديرون بخشية الله تعالى، وهم الجديرون برفعة هذا الخطاب، وربما كان ما روي عن ابن مسعود من أن الخطاب عام للناس أجمعين هو الأسلم، وهو ما تدل عبارة صاحب الكشاف.